
بعد مرور 77 عاماً على توقيع اتفاقيات جنيف، تتجدد التساؤلات الجوهرية حول جدوى القانون الدولي الإنساني في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. ففي 12 أغسطس/آب 1949، وُضعت هذه الاتفاقيات الأربع لتشكل حجر الزاوية في حماية ضحايا الحروب، لكن الواقع الميداني اليوم يظهر فجوة عميقة بين النصوص القانونية والواقع المعاش.
تفرض اتفاقيات جنيف، لا سيما الاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في الأراضي المحتلة، قواعد صارمة تحظر استهداف الأبرياء، وتلزم أطراف النزاع بضمان وصول المساعدات الإنسانية من غذاء ودواء، وتوفير الحماية للجرحى والعاجزين عن القتال. ومع ذلك، تواصلت الانتهاكات بشكل ممنهج، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقية المنظومة القانونية العالمية.
لا تتوقف المعضلة عند الانتهاكات الميدانية في مناطق مثل غزة والضفة الغربية ولبنان، حيث وثقت تقارير أممية استهدافاً مباشراً للمنشآت المدنية كالمدارس والمستشفيات، بل تمتد لتشمل أزمة الإفلات من العقاب.
وتبرز المحكمة الجنائية الدولية كطرف أساسي في هذا المشهد، خاصة بعد إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين مثل بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. إلا أن التحدي يكمن في آليات التنفيذ؛ فقد أظهرت مواقف بعض الدول -مثل المجر التي استقبلت نتنياهو رغم مذكرة الاعتقال وأعلنت الانسحاب من المحكمة- أن الإرادة السياسية للدول تظل العائق الأكبر أمام إنفاذ العدالة.
إن الالتزام باتفاقيات جنيف ليس مسؤولية أطراف النزاع فحسب، بل يقع على عاتق الدول الموقعة التي تلتزم بضمان احترام هذه القواعد. وبمرور العقود، يبقى السؤال قائماً: هل ستتحول هذه الاتفاقيات من نصوص نظرية إلى إجراءات فعلية تضع حداً لمعاناة المدنيين، أم ستظل مجرد حبر على ورق في وجه القوة الغاشمة؟