
قبل عام من الآن، وتحديداً في 14 أغسطس 2025، شهدت مدينة فاليفو الصربية أحداثاً وثقت لحظات قاسية من العنف الأمني ضد المتظاهرين. تلك المشاهد، التي أظهرت عناصر من الشرطة يعتدون على مواطن ملقى على الأرض، لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل تحولت إلى شرارة أشعلت حركة احتجاجية طلابية واسعة النطاق امتدت لتشمل كافة أنحاء صربيا.
بدأت الاحتجاجات بمطالب مشروعة تتعلق بالمحاسبة عقب كارثة انهيار المظلة الخرسانية في محطة قطار نوفي ساد في نوفمبر 2024، والتي أودت بحياة 16 شخصاً. ومع مرور الوقت، تحول الغضب الشعبي إلى حركة سياسية تطالب بتغيير جذري في نظام حكم الرئيس ألكسندر فوتشيتش، الذي يهيمن على المشهد السياسي منذ أكثر من عقد.
تصف داريا رانكوفيتش، رئيسة تحرير موقع Kolubarske.rs، ما حدث في فاليفو بأنه صدمة عميقة تركت ندوباً في النسيج الاجتماعي. وتواجه رانكوفيتش، كغيرها من الصحفيين المستقلين، حملات تشهير ممنهجة من قبل وسائل إعلام مقربة من الحكومة، حيث تُتهم بـ إسقاط الدولة.
وتؤكد رانكوفيتش أن الصحفيين في صربيا يعملون في بيئة عدائية، حيث يتم تصنيفهم كـ أعداء للدولة من قبل مسؤولين رفيعي المستوى، مما يضعهم في دائرة الاستهداف المباشر لمجرد قيامهم بواجبهم المهني.
يرى الكاتب توميسلاف ماركوفيتش، المقيم في بلغراد، أن الطلاب نجحوا في إيقاظ طاقة هائلة كانت مكبوتة لسنوات لدى المواطنين الذين فقدوا الأمل في التغيير. ويوضح ماركوفيتش أن جيل الطلاب الحالي، الذي نشأ في ظل حكم فوتشيتش، لم يرَ سوى الغطرسة والعنف والفساد.
رغم الزخم الشعبي، يحذر مراقبون من تسلل الخطاب القومي إلى صفوف الحركة الطلابية، وهو ما أثار قلق دول الجوار وتسبب في تراجع الدعم الدولي لبعض مطالبهم. وتؤكد الناشطة الحقوقية عايدة كوروفيتش، التي دعمت الطلاب منذ البداية، على ضرورة الحذر من هذا الانزلاق.
تقول كوروفيتش: الطلاب هم البديل الأكثر جدية لنظام فوتشيتش، لكن لا يمكننا تجاهل تأثير البيئة القومية التي نشأوا فيها. وتضيف أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الحركة الآن هو تحديد ملامح صربيا المستقبل بعيداً عن إرث الحروب والانقسامات.
ومع اقتراب الذكرى السنوية للاحتجاجات، يظل السؤال معلقاً: هل تنجح هذه الحركة في إحداث تحول ديمقراطي حقيقي، أم ستظل أسيرة لضغوط السياسة والموروثات القومية؟