
في ظل الاضطرابات المتصاعدة التي تشهدها الممرات المائية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب وقناة السويس، أعلنت شركة سي ليجند الصينية للشحن البحري عن تدشين مسار جديد للشحن عبر المحيط المتجمد الشمالي، أطلقت عليه اسم طريق الحرير الجليدي. يمتد هذا المسار من ميناء نينغبو الصيني، مروراً بالطريق الشمالي الروسي، وصولاً إلى ميناء فيليكسستو في شرق إنجلترا.
أظهرت رحلة تجريبية أجرتها الشركة في أكتوبر الماضي أن المسار الجديد يختصر زمن الرحلة بشكل لافت؛ حيث استغرقت 20 يوماً فقط، مقارنة بـ 40 يوماً عبر قناة السويس، و50 يوماً عبر طريق رأس الرجاء الصالح. وأشار لي شياوبين، المدير التنفيذي للشركة، إلى أن هذا الطريق مثالي لشحن البضائع الحساسة للحرارة والمنتجات ذات المواعيد الزمنية الحرجة مثل بطاريات الليثيوم والمنتجات الكهروضوئية.
ورغم أن التغير المناخي أدى إلى ذوبان قياسي في الجليد القطبي (بنسبة 5.8% خلال ذروة الشتاء بين 2024 و2025 وفقاً لدراسات حديثة)، إلا أن الخبراء يحذرون من أن المسار يظل موسمياً، حيث يقتصر استخدامه على أشهر الصيف، مما يجعله مكملاً وليس بديلاً جذرياً للممرات التقليدية.
يواجه المسار الجديد تحديات جيوسياسية معقدة؛ إذ يخضع الطريق الشمالي لسيطرة روسيا عبر إدارة نورثرن سي روت، مما يثير مخاوف بشأن استقلالية الملاحة. ويشير محللون إلى أن الاعتماد على هذا المسار قد يعرض السفن لمخاطر سياسية مرتبطة بالعقوبات الدولية المفروضة على الأساطيل التي تستخدم الطرق الروسية.
وفي هذا السياق، يرى ويليام يانغ، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، أن الصين تسعى من خلال هذا المسار إلى تعزيز وجودها الاستراتيجي في منطقة القطب الشمالي، وتقليل اعتمادها على مضيق ملقا وممرات الشرق الأوسط. ومع ذلك، لا يزال التساؤل قائماً حول مدى قدرة هذا الطريق على إحداث تغيير في موازين القوى التجارية العالمية.
تأتي هذه الخطوة في وقت تعاني فيه التجارة العالمية من أزمات خانقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز ومضيق باب المندب، مما أدى إلى اضطراب سلاسل إمدادات الطاقة والسلع الأساسية. ويوضح الخبراء أن التنافس الدولي في القطب الشمالي، الذي يضم أعضاء في حلف الناتو ودولاً كبرى مثل الصين وروسيا، يجعل من هذا المسار ساحة جديدة للتنافس الاستراتيجي بدلاً من كونه مجرد ممر تجاري بديل.
وخلص ديلان لو، الأستاذ بجامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، إلى أن الطريق الجديد يمثل تحوطاً اقتصادياً للصين، لكنه لن يؤدي إلى تحول جذري في موازين القوى الدولية في المدى القريب، نظراً لغياب القدرة التنبؤية التي توفرها الممرات المائية التقليدية.