
في أقصى الركن الشمالي الشرقي من ولاية شمال دارفور، حيث تتلاشى الطرق وتستقبل الصحراء القادمين، تقبع محلية المالحة في عزلة خانقة بعد أن كانت يوماً ما شرياناً حيوياً للتجارة البرية مع دول الجوار، وأكبر نقطة جمارك للبضائع القادمة من الشمال.
تعتمد المنطقة في اقتصادها على قبيلة الميدوب التي تمتهن الرعي والتجارة الحدودية، كما تضم موارد طبيعية استراتيجية، وعلى رأسها بئر العطرون. إلا أن هذه الميزات تحولت اليوم إلى طي النسيان بفعل حصار مطبق فرضته الحرب الدائرة.
منذ سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة في 20 مارس/آذار 2025، دخلت المالحة في نفق مظلم. توقفت الشاحنات المحملة بالغذاء والدواء عن الوصول، مما أعاد إلى الأذهان مآسي المجاعات الكبرى. ووفقاً لمسؤول الإعلام في منظمة الجسور للسلام والتنمية، حسبو محمد علي جودة، فإن المنطقة التي يقطنها نحو 271 ألف نسمة باتت معزولة تماماً عن العالم، وتفتقر لأي وجود للمنظمات الإنسانية الدولية.
وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن المنطقة شهدت موجة نزوح واسعة، حيث فرت أكثر من 15 ألف أسرة خلال 48 ساعة فقط إبان العمليات العسكرية الأخيرة.
يؤكد ياسر عبد الكريم فضل، ممثل غرفة طوارئ المالحة، أن الوضع تجاوز حدود التحمل البشري؛ فالطرق المؤدية إلى ليبيا وشمال السودان (الدبة) أصبحت مقطوعة ومحفوفة بالمخاطر، مما تسبب في توقف أكثر من 40 بئراً ومحطة مياه عن العمل لنفاد الوقود، واضطرار السكان للشرب من مصادر ملوثة.
من جانبه، يصف فرح عبد الرحيم، أحد النازحين، حالة الأسواق بأنها خاوية على عروشها، حيث نفدت السلع الأساسية وارتفعت الأسعار إلى مستويات قياسية، بينما تفتقر المستشفيات لأدنى مقومات العلاج والأدوية المنقذة للحياة.
في تقرير ميداني صدر في أغسطس/آب 2026، حذرت منظمة الجسور للسلام والتنمية من أن تجاهل المجتمع الدولي للمناطق المنسية مثل المالحة، والتركيز فقط على مخيمات النزوح الكبرى، قد يحول هذه المنطقة إلى مقبرة جماعية صامتة مع اقتراب موسم الأمطار وتفاقم العزلة القسرية.