
في قلب العاصمة بغداد، تضيق ممرات سوق هرج بالمتسوقين والبضائع التي تتنوع بين أدوات منزلية مستعملة، وأجهزة إلكترونية، وصولاً إلى التحف النحاسية والخواتم الفضية والمسابح القديمة. هذا المكان الذي يصفه رواده بـ سوق كل شيء، لا يزال يحتفظ بحضوره الطاغي في المدينة رغم التطور العمراني وانتشار مراكز التسوق الحديثة.
منذ عام 1985، يشهد حسن الكناني (أبو علي) تقلبات السوق وتغير بضائعه، لكنه يؤكد أن جوهر المكان ظل ثابتاً: توفير احتياجات الناس بأسعار تناسب قدراتهم الشرائية. يصف أبو علي السوق بأنه منقذ الفقراء، حيث يجد الزبون ملابس من علامات تجارية عالمية بأسعار زهيدة مقارنة بالمتاجر الكبرى.
ولا يقتصر منطق البيع والشراء في هرج على السلع الأساسية، بل يقوم على ثقافة التفاوض وتجدد المعروضات باستمرار، مما يمنح أصحاب الدخول المحدودة فرصة حقيقية لتلبية متطلباتهم المعيشية.
يتحول السوق في أحيان كثيرة إلى مزاد مفتوح للمقتنيات النادرة. يوضح أبو مصطفى، أحد رواد المكان، أن البحث عن قطعة فريدة أو تحفة قديمة بأسعار معقولة هو الدافع الأساسي لزيارته المتكررة. ويشير الحاج علي إلى أن جاذبية السوق تكمن في احتمالية العثور على قطعة ثمينة وسط كومة من الأغراض العادية، وهو ما يجعل من جولة التسوق أشبه برحلة استكشافية في ذاكرة البيوت البغدادية.
لا يقصد الزوار سوق هرج من أجل البضائع فحسب، بل من أجل النكهة البغدادية التي يفتقدونها في الأسواق الحديثة. يرى علي قاسم أن بساطة التعامل وطريقة عرض المقتنيات التراثية والمسابح والعملات القديمة تضفي على المكان صبغة إنسانية وتراثية لا تضاهى.
ويستعيد أبو محمد، أحد الباعة المخضرمين، ذكريات السوق المرتبطة بشارع الرشيد العريق، مؤكداً أن السوق يظل حياً ومتجدداً لأن بضائعه تعكس قصصاً إنسانية؛ فما يستغني عنه شخص، يمثل حاجة ضرورية أو ذكرى ثمينة لآخر. وهكذا، يظل سوق هرج متنفساً حيوياً لا يبيع الماضي بقدر ما يربطه بالحاضر، ليظل شاهداً على تفاصيل بغداد اليومية.