
تواجه المنطقة العربية تحدياً صحياً متزايداً مع تصدر أمراض القلب والأوعية الدموية قائمة مسببات الوفاة. وتشير بيانات عبء المرض العالمي 2023 إلى واقع مقلق، حيث ارتفعت حالات الإصابة عالمياً إلى 626 مليون حالة، بينما تشهد المنطقة العربية مساراً يتسم بالتعقيد بين انخفاض معدلات الوفيات المرتبطة بالعمر وبين الارتفاع الحاد في العبء الإجمالي الذي يضغط على الأنظمة الصحية.
على الرغم من تراجع معدلات الوفيات الموحدة حسب العمر لأمراض القلب الإقفارية والسكتات الدماغية في العالم العربي، إلا أن معدل الوفيات الخام لجميع الأعمار يروي قصة مختلفة تماماً؛ فقد ارتفع بشكل حاد ليصل إلى 129.3 لكل 100 ألف نسمة في عام 2023، بزيادة بلغت 12% خلال السنوات الأربع الأخيرة وحدها.
معدل الوفيات لجميع الأعمار، وهو الرقم الذي يحدد عدد المرضى الذين يصلون فعليا إلى أقسام الطوارئ ومختبرات القسطرة ووحدات السكتة الدماغية كل عام، يروي قصة مختلفة: فمعدل الوفيات الإجمالي الناجم عن أمراض القلب الإقفارية لم يتغير تقريبا بين 1990 و2010 (من 112.6 إلى 113.0 لكل 100 ألف) قبل أن يرتفع بشكل حاد إلى 129.3 لكل 100 ألف بحلول عام 2023، بزيادة تقارب 12% في السنوات الأربع الأخيرة من البيانات وحدها.
هذا التباين يرجع إلى شيخوخة السكان والنمو الديمغرافي، مما يضع عبئاً إضافياً على المستشفيات وميزانيات الصحة، وهو ما يتطلب تخطيطاً استراتيجياً يتجاوز مجرد مراقبة المؤشرات العمرية.
حققت دول المنطقة تقدماً ملحوظاً في السيطرة على ضغط الدم والكوليسترول، بفضل عقود من الرعاية الأولية. ومع ذلك، تبقى هذه المكاسب مهددة بسبب ضعف المتابعة الدورية، حيث لا تزال معدلات الوعي والالتزام بالعلاج متدنية في العديد من الدول.
كشفت مراجعة منهجية لـ 178 دراسة سكانية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن استمرار انخفاض معدلات الوعي بارتفاع ضغط الدم وعلاجه والسيطرة عليه، مع تباين واسع بين البلدان وتحسن متواضع فقط بمرور الوقت.
في المقابل، تبرز السمنة وداء السكري كـ وباء ثانٍ يتفوق على الجهود الوقائية؛ حيث ارتفعت معدلات الوفيات المرتبطة بالسمنة بنسبة 27.2% منذ عام 1990، مما يؤكد أن العوامل الأيضية أصبحت المحرك الرئيسي للوفيات القلبية المستقبلية.
لا تتوقف المخاطر عند النمط الغذائي أو الوراثي، بل تمتد لتشمل:
تؤثر الصحة النفسية أيضا على النتائج المتعلقة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ليس لأن تقييم العبء العالمي للأمراض (GBD) يعزو الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية إليها بشكل مباشر، بل لأن الاكتئاب والقلق غير المعالجين يجعلان من الصعب على المرضى حضور مواعيد المتابعة، والالتزام بالأدوية، والحفاظ على تغييرات نمط الحياة التي تتطلبها السيطرة على ضغط الدم ومرض السكري.
تتطلب مواجهة هذا العبء تحركاً متوازياً على جبهتين:
إن استمرار الحكومات في الاستثمار في العلاج مع إهمال السياسات الوقائية يعد هدراً للموارد؛ فالحل يكمن في تطبيق أدوات الصحة العامة بمثابرة، وضمان عدالة توزيع الرعاية الصحية لتشمل كافة فئات المجتمع.