
في اليوم العالمي للعمل الإنساني، لا يقتصر المشهد على مجرد استذكار التضحيات، بل يمتد ليطرح تساؤلاً وجودياً حول مستقبل العمل الإنساني الذي بات يواجه خطر التسييس والمقايضة، متجاوزاً بذلك المبادئ التي قامت عليها الاتفاقيات الدولية.
لقد استند العمل الإنساني لعقود على فرضية أن هناك خطوطاً حمراء لا يجوز تجاوزها، حتى في أعتى الحروب، وأن حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني حق قانوني أصيل. اليوم، يواجه هذا الإجماع تآكلاً خطيراً؛ حيث تتجاهل الحكومات القانون الدولي، وتطبق أحكامه بانتقائية، بينما تلتزم أخرى الصمت أمام الانتهاكات، مما جعل الحماية تتحول من التزام عالمي إلى سلعة تخضع للمساومة السياسية.
انعكست هذه السياسات بشكل مباشر على حياة العاملين في الميدان، حيث تظهر الإحصائيات تصاعداً مرعباً في وتيرة العنف:
لا تتوقف التحديات عند الاستهداف المباشر، بل تمتد لتشمل القيود الإدارية المتعمدة. ففي ديسمبر الماضي، واجهت 37 منظمة دولية، بما فيها أوكسفام، قراراً بإلغاء تسجيلها من قبل السلطات الإسرائيلية بعد رفضها تسليم بيانات شخصية لموظفيها، مما أثر بشكل كبير على قدرة هذه المنظمات على إدخال المساعدات وتوفير الإغاثة الضرورية في غزة والضفة الغربية.
تتزامن هذه التحديات مع تراجع غير مسبوق في التمويل الدولي؛ حيث عمدت دول مجموعة السبع إلى خفض مساعدات التنمية بنحو الثلث في عام 2026 مقارنة بعامي 2024. هذا التوجه يفاقم الأزمات الإنسانية في مناطق تشهد تفشياً للأوبئة كإيبولا في الكونغو، أو مجاعات حادة في السودان، مما يؤكد أن قرارات التمويل هي خيارات سياسية بامتياز.
إن القانون الدولي الإنساني ليس اختيارياً؛ فحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات ومنع استخدام التجويع كسلاح هي قواعد ملزمة. وتتطلب المرحلة الراهنة تفعيلاً حقيقياً للمحاسبة، بدءاً من إجراء تحقيقات مستقلة في كافة الهجمات التي تستهدف عمال الإغاثة، وصولاً إلى اختيار قيادة دولية تضع احترام القوانين الدولية كأولوية قصوى لضمان أمن الجميع.
إن التذكير دون محاسبة أو إجراءات ملموسة لا يعدو كونه قبولاً بالظلم. لنعمل معاً من أجل: #protectaidworkers