
لا يتعامل كتاب الدكتور يحيى سعد فرحات الزور السياسي: رؤية حضارية إسلامية مع الكذب بوصفه حادثة عابرة أو انحرافاً إعلامياً بسيطاً، بل يقدمه كمنظومة متكاملة لإنتاج واقع زائف، وصناعة إدراك جماعي مضلل، وإضفاء الشرعية على الباطل حتى يغدو مقبولاً وطبيعياً في وعي الناس.
يتجاوز الكتاب حدود الأخبار الكاذبة ليعيد تعريف العلاقة بين الحقيقة والسياسة والشرعية، حيث يرى المؤلف أن الزور السياسي لا ينتهي عند حدود القول الكاذب، بل يمتد لإعادة تشكيل وعي الأفراد، مما يجعلهم يتعاملون مع الاستثناء بوصفه قاعدة، ومع السلطة بوصفها صاحبة الحق المطلق في تعريف الواقع.
في تقديمه للكتاب، يصف الأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، أستاذ النظرية السياسية، العمل بأنه كشف لـ هندسة الخداع وتجريف الوعي. ويؤكد أن الزور السياسي ليس خطأً عرضياً، بل منظومة تتعمد السيطرة على العقول قبل الأجساد عبر التلاعب باللغة والمفاهيم، وتوظيف الإبهار البصري، وخلق هياكل مؤسسية براقة تخفي وظائف مضللة.

ويشير عبد الفتاح إلى أن الزور في العصر الرقمي بلغ مستويات معقدة بفضل الخوارزميات، والذباب الإلكتروني، والتزييف العميق، وغرف الصدى التي تكرس الوهم وتمنع وصول الحقيقة للمتلقي.
يوضح الكتاب أن الكذب مجرد مخالفة للواقع، بينما الزور يتضمن الميل عن الحق، وتزيين الباطل، والتلبيس. فالزور قد يستخدم حقائق مجتزأة لصياغة استنتاج مضلل، مما يجعل المشكلة في كيفية تشكيل إدراك الناس للوقائع، لا في صحة المعلومة ذاتها.

يحدد الكتاب ثمانية مسارات رئيسية يستخدمها الزور السياسي لتزييف الوعي، منها: التلاعب بالمعلومات، إدارة الانطباعات عبر الوعود السياسية، بناء شرعية زائفة عبر انتخابات صورية، شيطنة الخصوم، وتصوير الإنجازات الوهمية. ويشكل إعادة هندسة المفاهيم أخطر هذه المسارات، حيث يتم تغيير معاني الكلمات التي يفهم بها المجتمع حقوقه وواجباته.
يستعرض الكتاب وقائع تاريخية كنموذج للزور السياسي:

يخلص الكتاب إلى أن الزور السياسي يؤدي إلى إفساد مؤسسات الدولة، حيث يصبح الولاء للرواية الرسمية معياراً للترقي بدلاً من الكفاءة. ومع تآكل الثقة، ينسحب المواطنون من المجال العام، مما يضعف السلم الأهلي ويؤدي في النهاية إلى إفساد العمران.
لا يكتفي الكتاب بالتشخيص، بل يدعو لمشروع مقاومة يقوم على أربعة مستويات: إنسان العقيدة، المجتمع الحارس للحقيقة، إصلاح البيئة السياسية عبر الشفافية والمساءلة، وتجديد البناء الحضاري الذي يضع الصدق والعدل كمعايير حاكمة للممارسة السياسية.

في الختام، يؤكد المؤلف أن حماية الحقيقة ليست مسؤولية الإعلاميين وحدهم، بل هي عملية ممتدة تشمل كل أفراد المجتمع، لأن كل من يشارك في صناعة الوعي العام يقع على عاتقه إما حماية الحقيقة أو التفريط فيها.