
تخيّل أن تصلك إلى المنزل علبة صغيرة، تأخذ بواسطتها عينة من دمك، ثم تتلقى بعد أيام تقريرا أنيقا يقسّم عشرات الأطعمة إلى ألوان: أخضر لما يمكنك تناوله، وأصفر لما ينبغي أن تحذر منه، وأحمر لما يُفترض أن جسمك لا يتحمله. فجأة، تجد الحليب والبيض والقمح والقهوة ضمن قائمة الاتهام، مع وعود بأن الامتناع عنها سيخلصك من الانتفاخ والصداع واضطراب الهضم. تبدو الفكرة جذابة، لكن السؤال الحاسم ليس: هل يقيس الاختبار شيئا؟ بل: هل يدل ما يقيسه فعلا على أن طعاما معينا يسبب الأعراض؟
الأجسام المضادة (الغلوبولينات المناعية) هي بروتينات يصنعها جهاز المناعة للارتباط بجزيئات غريبة. وتوجد أنواع مختلفة منها؛ فبينما تشارك أجسام IgE في الحساسية الغذائية الفورية، قد يعكس وجود آي جي جي (IgG) تجاه طعام معين مجرد تعرض سابق أو متكرر له، ولا يثبت وحده أن هذا الطعام يسبب أعراضا مرضية.
هناك خلط شائع بين المصطلحات؛ فالحساسية الغذائية تفاعل مناعي قد يكون خطيراً، بينما عدم تحمل الطعام (مثل نقص إنزيم اللاكتاز) يعود غالباً لعجز الجسم عن هضم مكون معين. أما الاختبارات التجارية التي تسوق لـ الحساسية الغذائية باستخدام مصطلحات فضفاضة، فهي غالباً لا تستند إلى تشخيص طبي موحد، بل تستغل الأعراض الشائعة مثل الصداع والانتفاخ لتسويق منتجاتها.
تعتمد الاختبارات التجارية على قياس أجسام IgG4، لكن العلم يؤكد أن ارتفاع هذه الأجسام قد يكون علامة على التحمل لا عدم التحمل. وعليه، فإن هذا الاختبار قد يخبرك بما تأكله كثيراً أكثر مما يخبرك بما يؤذيك. وقد حذرت الأكاديمية الأمريكية للحساسية والربو والمناعة من استخدامها لهذا الغرض، نظراً لغياب الأدلة العلمية التي تربطها بالتشخيص السريري.
قد يلاحظ المستخدم تحسناً بعد اتباع قائمة المنع، لكن هذا لا يثبت صحة الاختبار. فالتوقف عن تناول الأطعمة فائقة التصنيع أو تقليل الكربوهيدرات القابلة للتخمر، أو حتى الاهتمام الزائد بالنظام الغذائي، عوامل كفيلة بتحسين الأعراض بصرف النظر عن نتائج المختبر الملونة.
على الرغم من نشر تجارب سريرية حول حميات موجهة باختبارات IgG لمرضى القولون العصبي، إلا أن النتائج لا تزال محدودة ومحاطة بمخاطر الانحياز. إن إثبات فائدة تدخل غذائي معين لا يعني أن الاختبار هو الأداة التشخيصية المثالية، ولا يعني أن الجسم المضاد هو المسبب الحقيقي للأعراض.
تتمثل الأضرار الحقيقية في:
يبدأ التشخيص السليم من الطبيب المختص، وليس من المختبرات التجارية. يعتمد التقييم الطبي على القصة المرضية، اختبارات الجلد، فحص التنفس، أو الخزعات الموجهة عند الضرورة. الهدف هو الوصول إلى أوسع نظام غذائي ممكن، لا البقاء في دائرة الحظر الدائم.