
أودت موجات الحر التي ضربت أجزاء واسعة من القارة الأوروبية هذا الصيف بحياة آلاف الأشخاص، وفق تقديرات أولية رسمية، في ظل تسجيل درجات حرارة قياسية وموجات حر متلاحقة أرهقت الأنظمة الصحية.
ففي ألمانيا، تشير أحدث التقديرات الصادرة عن معهد روبرت كوخ إلى وفاة نحو 14 ألف شخص بسبب الحرارة منذ بداية الموسم، وهي حصيلة تتجاوز الرقم القياسي المسجل في عام 2018، والذي قُدر بنحو 8,900 حالة. وأوضح التقرير الأسبوعي للمعهد أن 9,600 من هذه الوفيات سُجلت خلال الأسبوع الممتد من 22 إلى 28 يونيو/حزيران، حين تجاوزت درجات الحرارة حاجز الـ 41 درجة مئوية في مناطق عدة.
وفي إسبانيا، سجل معهد كارلوس الثالث الصحي نحو 4,500 وفاة مرتبطة بالحرارة في الفترة ما بين الأول من يونيو/حزيران و19 أغسطس/آب، وهي أرقام تفوق بشكل ملحوظ ما سُجل في السنوات السابقة.
وفي فرنسا، أعلنت الوكالة الوطنية للصحة العامة أن عدد الوفيات التي تعزى للحرارة هذا العام بلغ 7,300 حالة، منها 1,243 وفاة سُجلت خلال موجة الحر الثانية بين 3 و22 يوليو/تموز. وتؤكد السلطات الصحية أن الحرارة تُعد عاملاً رئيسياً في الوفيات الزائدة المسجلة، رغم تباين طرق حسابها بين الدول.
أما في إنجلترا وويلز، فقد ربط باحثون من مكتب الأرصاد الجوية وجامعة إمبريال كوليدج لندن بين موجتي الحر في مايو/أيار ويونيو/حزيران وبين نحو 2,700 حالة وفاة، مشيرين إلى أن 42% من هذه الوفيات مرتبطة بالارتفاع الإضافي في درجات الحرارة الناجم عن تغير المناخ بفعل النشاط البشري.
ووفق خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لمراقبة تغير المناخ، كان شهر يونيو/حزيران 2026 الأكثر حرارة على الإطلاق في غرب أوروبا. وبلغ متوسط الحرارة في المنطقة 20.74 درجة مئوية، أي أعلى بـ 3.06 درجات من متوسط الفترة بين عامي 1991 و2020.
تكمن الصعوبة في الحصر الدقيق للوفيات في أن معظم الدول لا تسجل الحرارة كسبب مباشر للوفاة، بل كعامل مفاقم لأمراض القلب، الرئة، والكلى، أو مسبب لضربات الشمس والجفاف. لذلك، يعتمد الباحثون على نماذج إحصائية تقارن الوفيات الفعلية بالوفيات المتوقعة في الظروف المناخية العادية.
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أوروبا هي القارة الأسرع في ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، حيث ترتفع الحرارة فيها بضعف المعدل العالمي. وتؤكد المنظمة أن أكثر من 200 ألف شخص توفوا بسبب الحرارة في أوروبا خلال السنوات الأربع الماضية، مشددة على أن معظم هذه الحالات كان يمكن تفاديها عبر إجراءات وقائية أفضل.
يختتم الخبراء تحذيراتهم بالتأكيد على أن ما شهدته القارة هذا الصيف ليس حدثاً استثنائياً، بل جزء من سلسلة متكررة من موجات الحر التي أصبحت أكثر شدة، مما يفرض تحديات وجودية على أنظمة الصحة والطوارئ لحماية السكان في المستقبل.