2026/08/21
رواية مأساة جساس.. قراءة فلسفية في عبثية الحروب وتناقضات السلطة

إعادة قراءة التاريخ

مع اقتراب صدور رواية مأساة جساس للكاتب وليد سيف عن دار الأهلية للنشر والتوزيع، يطرح التساؤل نفسه حول القيمة المضافة لعمل أدبي يستحضر حرب البسوس، ذلك الحدث التاريخي الذي استُنزف سرداً وتأريخاً. غير أن القراءة المتفحصة للنص تكشف عن أبعاد تتجاوز السرد التاريخي التقليدي، لتصل هذا العمل بمشروع سيف الأدبي الذي يزاوج بين متعة الحكي وعمق الإشكاليات الفكرية.

السرد كأداة للفلسفة

يتميز أسلوب وليد سيف بقدرته الفريدة على الانتقال السلس من رواية الواقعة التاريخية إلى استخلاص شذرات فكرية تستوقف الوعي. إن أعماله، ومن بينها مأساة جساس، تصاغ بلغة أدبية شاعرية رغم تشبعها بالاستشكال الفلسفي، تماماً كما وصف غوته الشعر الحقيقي الذي يصدر عن فكر عميق دون أن يعلق به أثر مباشر للتفلسف.

جدلية الخوف والسيادة

تغوص الرواية في استبطان النفس البشرية، وتكشف كيف تتحكم العواطف في أفعال السلطة. ويبرز النص حالة الحيرة التي تعيشها القبيلة أمام سطوة القائد كليب، حيث يتساءل الأفراد: هل خرجنا من بغي الغريب إلى بغي القريب؟. إن هذا التساؤل يعكس توجساً نفسياً من أن يفضي التخلص من العدو الخارجي إلى سطوة العدو الداخلي.

أطلق جساس بفعلته شرارة حرب أتت على الأخضر واليابس، دون أن تبلغ المتحاربين أي نصر يذكر، حرب أنهكت العباد ويتمت الأولاد ورملت النساء وأثكلت الأمهات، حرب لا بطولة معها.

صراع الشرعيات

تستعرض الرواية تضارب الشرعيات داخل القبيلة؛ فبينما يمثل كليب شرعية القوة العسكرية والاستبداد بالأمر والنهي بدعوى المصلحة العليا، يمثل جساس شرعية المروءة والقيم الموروثة التي ترفض بيع الحرية بوعود مستقبلية مجهولة. ومع تصاعد الكبرياء والأنفة على حساب الحب، تتحول المواجهة إلى عنف يفتح باب المأساة.

عبثية التفاخر

يصل الكاتب إلى ذروة التأمل حين يصور جساس وهو يدرك عبثية البطولات التي يخلدها الشعراء، مؤكداً أن الجميع يستوي تحت التراب، وأن أيام العرب ليست سوى دعوات للموت بدعوى الحمية العمياء. وفي مشهد الاحتضار، يعلن جساس نهاية حرب البسوس، كاشفاً أن الحقائق الكبرى للحرب لا تظهر إلا بعد انقشاع غبار المعارك، حيث لا يبقى سوى الفقد والتيه.

إن مأساة جساس تدعونا للتأمل في واقعنا العربي الذي تمزقه حروب نفسية يذكيها التفاخر ببطولات وهمية والإحساس بأنفة لا مكان لها في فن السياسة.

خاتمة في التراجيديا

تمثل مأساة جساس أسلوباً في الحكي يقترب من فنون التراجيديا، حيث ينتهي كل شيء إلى مأساة مصدرها العجز عن تجريد الفعل السياسي من النزعة نحو التفاخر بأمجاد الماضي. إنها دعوة مفتوحة للتأمل في علاقة العاطفة بالسياسة، ليس فقط في التاريخ العربي، بل في واقعنا المعاصر الذي لا يزال يعاني من جيوسياسة العواطف وصعوبة الانقياد لسلطة لا تستمد شرعيتها من قيم أخلاقية متعالية.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news37189.html