2026/08/22
نزيف العقول الليبية: جيل يبحث عن وطن بعيداً عن ديارهم

بعد مرور 15 عاماً على أحداث عام 2011، لا تزال ليبيا تعاني من أزمة صامتة وعميقة تتمثل في نزيف العقول، حيث يجد الشباب الليبي الطموح نفسه أمام خيار قسري بمغادرة البلاد بحثاً عن الاستقرار والفرص المهنية التي تفتقر إليها أرض الوطن.

سارة ميزران، مهندسة معمارية تبلغ من العمر 32 عاماً، كانت في مقتبل العمر عندما تغير وجه ليبيا. وبعد سنوات من رحيلها إلى المملكة المتحدة، ترى أن خسارة ليبيا لا تقتصر على المهارات التقنية فحسب، بل تمتد لتشمل فقدان إمكانية الحلم لدى جيل كامل نشأ على قناعة بأن الرحيل هو السبيل الوحيد لبناء مستقبل.

تقول ميزران: كان قرار الرحيل استثماراً في تطوير ذاتي، ففي ظل النزاعات المتلاحقة، أصبح العودة وبناء مسار مهني هادف أمراً بالغ الصعوبة. ورغم نجاحها في التكيف مع ثقافة مهنية جديدة في بريطانيا، إلا أن الحنين إلى الوطن لا يزال يوجه بوصلتها نحو التفكير في كيفية المساهمة في إعادة إعمار المشهد المعماري الليبي مستقبلاً.

Nader
نادر القاضي، مؤسس مؤسسة خيرية تدعم المغتربين الليبيين الساعين للمساهمة في بناء بلادهم.

قصة ميزران تتشابه مع تجربة نادر القاضي، 36 عاماً، الذي كان يدير شركته الخاصة في طرابلس قبل أن يدفعه تصاعد التوترات الأمنية في عام 2014 إلى الهجرة. أسس القاضي في عام 2018 مؤسسة ليبيا في المملكة المتحدة، وهي مبادرة ثقافية تهدف إلى خلق مساحة للمغتربين الليبيين للحفاظ على ارتباطهم بوطنهم ومحاولة استحضار صورة الدولة التي طالما حلموا بها.

جدل حول أثر هجرة الكفاءات

تتباين الآراء حول مدى تأثير رحيل هذه الكفاءات على واقع ليبيا. يرى طارق مجريسي، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن المشكلة لا تكمن فقط في نقص الكفاءات، بل في غياب الإدارة الرشيدة؛ حيث يرى أن العديد من المناصب الحكومية تشغلها شخصيات تفتقر إلى الفاعلية، مما خلق بيئة طاردة للشباب الطموح.

ويضيف مجريسي: هؤلاء الشباب الذين اكتسبوا تأهيلاً علمياً وخبرات عملية كانوا يتطلعون لأن تكون الثورة حافزاً لمساراتهم المهنية، لكنهم اصطدموا بواقع سياسي معقد، مما جعل الرحيل خيارهم الوحيد.

في المقابل، يتبنى توبي شيتيات، من شركة سي آر آي ميناس للاستشارات، رؤية أكثر تحفظاً، مشيراً إلى أن تأثير هجرة العقول على الاقتصاد أو ثقة المستثمرين قد يكون محدوداً مقارنة بالتحديات الهيكلية الأخرى مثل الانقسام السياسي، والفساد، وتقلبات إيرادات النفط.

بناء الوطن: رؤية تتجاوز الحدود

بالنسبة للكثيرين ممن غادروا، يبقى السؤال حول العودة قائماً، لكنه مشروط بواقع ملموس. تؤكد ميزران أن دعوة المغتربين للعودة لا يمكن أن تستند إلى العاطفة وحدها، قائلة: لا يمكنك ببساطة مطالبة الناس بالعودة لأن بلادهم تحتاجهم؛ يجب عليك أولاً خلق دولة يمكنهم الإيمان بها وبناء حياتهم فيها.

ومع مرور السنين، يظل الحلم بالعودة وإعادة الإعمار هاجساً يراود الكثيرين، حيث يرى هؤلاء المغتربون أن الوطن ليس مكاناً ثابتاً، بل هو مساحة يتم خلقها وتطويرها مراراً وتكراراً من خلال العمل المستمر والأمل في مستقبل أكثر استقراراً.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news37466.html