
يُعد المفكر المصري الراحل أنور عبد الملك أحد أبرز القامات الفكرية التي سعت إلى إعادة رسم خارطة العالم من منظور عالمثالثي بامتياز. لم تكن أطروحاته في كتابيه ريح الشرق وتغيير العالم مجرد تحليلات أكاديمية، بل كانت مشروعاً فكرياً يهدف إلى استنهاض الإرث الحضاري العربي والإسلامي في مواجهة المركزية الغربية.
انطلق عبد الملك في تحليلاته من رؤية ترى أن الحال العربي يقع في قلب التحديات الدولية، مؤكداً في مقدمة كتابه تغيير العالم على ضرورة تحديد تحرك عربي واعٍ في المرحلة القادمة صوب نظام عالمي جديد. وقد دعا إلى صياغة مشروع حضاري يستند إلى التوازن بين الفكرة الوطنية والإرث التاريخي، بعيداً عن التبعية الفلسفية أو السياسية للغرب.
عبد الملك يفضح بعض ادعاءات الآخر الغربي، من خلال تأكيده أن تركيب النظام الدولي قائم على فائض القيمة التاريخي، التي على أساسها تأسست الهيمنة الغربية ابتداء من مستهل القرن الـ15 وحتى اجتماع يالطا عام 1945.
طرح عبد الملك مفهوماً جوهرياً هو فائض القيمة التاريخي، موضحاً أن الهيمنة الغربية لم تكن اقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل المجال الفكري والنظرية الاجتماعية. فمن خلال السيطرة على طرق التجارة والموارد في مرحلة الاستعمار، استطاع المركز الغربي تكديس فيض الأفكار وصياغة العلوم الإنسانية بما يخدم مصالحه، مما فرض على الأطراف (آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية) التطور وفق نهج مفروض.
في بحثه عن سبل تغيير العالم، ناقش عبد الملك ثلاث رؤى رئيسية:
في العالم الثالث كان التغير الاجتماعي بطيئاً، حيث تعيش أغلب شعوبها في الريف والمناطق الصحراوية والغابات، ولم تتأثر بالثورة العلمية سوى مجتمعات الدول التي تبنت نموذجاً واضحاً في التنمية المستقلة والتحرر الوطني.
يرى عبد الملك أن التغيير الحقيقي يكمن في فرض تعددية التجارب، معتبراً أن كسر هيمنة المركز الواحد لا يكون إلا عبر مشروعات حضارية متفاعلة تقدم بدائل إنسانية للنمط الاستهلاكي الغربي. ويتفق في هذا الطرح مع المفكر سمير أمين، حيث يرفض كلاهما التمركز الأوروبي، ويدعوان إلى تحالفات اجتماعية شعبية تسمح لبلدان العالم الثالث بوضع احتياجات تنميتها الداخلية كأولوية في علاقاتها الخارجية.
إن صراع الأيديولوجيتين، الاشتراكية والرأسمالية، لم يعد موجوداً الآن، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وخروج دول أوروبا الشرقية من عباءة الشيوعية، لكن الذي تكرس هو هيمنة المركز الواحد، والذي ينشده من يريدون عالماً أكثر توازناً وعدلاً هو التعددية.
ختاماً، يظل مشروع أنور عبد الملك دعوة مفتوحة لإعادة قراءة التاريخ والسياسة بأدوات علمية موضوعية، بعيداً عن الانبهار بالنموذج الغربي، وبحثاً عن ريح الشرق التي قد تحمل في طياتها ملامح نظام عالمي أكثر عدلاً وتوازناً.