
كشفت دراسات حديثة أجرتها أكاديمية العلوم الروسية أن مدينة تاناييس الأثرية لا تمثل فقط كنزاً تاريخياً، بل تشكل مختبراً طبيعياً لفهم أنماط التغير المناخي التي شهدتها منطقة حوض الدون وشمال البحر الأسود على مر العصور.
تُعد تاناييس، التي تأسست في القرن الثالث قبل الميلاد، أقصى مدينة شمالية شرقية للثقافة القديمة. وعلى مدى ثمانية قرون، لعبت دوراً محورياً في الحياة الاقتصادية والسياسية للمنطقة، حتى أصبحت اليوم محمية أثرية بارزة ومدرجة ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو منذ عام 2009.
أوضحت الباحثة في أكاديمية العلوم الروسية، تولوتشكو، أن تحليل الموارد الطبيعية في فترات تاريخية مختلفة يتيح للعلماء تتبع مراحل تطور المستوطنات القديمة وتأثرها بالتقلبات المناخية. وتؤكد الدراسات أن مناخ منطقة الدون كان دائماً غير مستقر، حيث تناوبت فترات الجفاف والرطوبة بشكل دوري.
وفي هذا السياق، أشارت تولوتشكو إلى أن رطوبة المناخ خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين ساهمت في ازدهار مستوطنات نهر الدون السفلى. وعلى النقيض، يُرجح أن تملح خليج تاغانروغ وترسب الطمي في مصب نهر الدون الميت كانا من العوامل الرئيسية التي أدت إلى تراجع المدينة في القرن الخامس الميلادي.
تؤكد النتائج العلمية أن الدورات الطبيعية التي شهدتها المنطقة في العصور القديمة تتكرر حالياً. وتعتبر الأكاديمية أن فترة الجفاف التي شهدتها منطقة روستوف في عامي 2024-2025، وما صاحبها من تملح في مياه بحر آزوف، ليست سوى ظواهر مناخية طبيعية مؤقتة ضمن الدورات المناخية المعتادة، مما يجعل من دراسة تاناييس أداة حيوية للتنبؤ بالمتغيرات البيئية المستقبلية.
تتميز تاناييس بحالة الحفاظ الاستثنائية لمبانيها الحضرية، مما يجعلها نموذجاً مرجعياً للآثار التي تعود للقرون الأخيرة قبل الميلاد والنصف الأول من الألفية الأولى الميلادية، وتظل شاهداً حياً على قدرة الحضارات القديمة على التكيف مع تقلبات المناخ.