
حين تصعد الدرجات الحجرية المؤدية إلى حي الطفايلة شرقي العاصمة الأردنية عمّان، لا يبدو المكان مجرد حيّ شعبي قديم، بل ذاكرة مفتوحة تحكي قصة الهجرة من قرية عيمة في محافظة الطفيلة جنوبي الأردن أواخر ثلاثينيات القرن الماضي. استقر المهاجرون الأوائل على سفوح جبل التاج، ليتحول الحي مع مرور الزمن إلى أيقونة عمرانية وبشرية وأحد أكثر أحياء الأردن حضوراً في المشهدين الاجتماعي والسياسي.
يقول الناشط الاجتماعي خضر السعود إن الحي لم ينشأ صدفة، بل جاء نتيجة هجرة منظمة لأبناء القرية الذين دفعتهم قسوة الظروف للبحث عن فرص العمل والتعليم والانخراط في مؤسسات الدولة.

لم يشعر القادمون الأوائل بالغربة؛ فطبيعة المنطقة الجبلية ذكّرتهم بجبال الطفيلة، ومع توالي العقود، أصبح اسم حي الطفايلة امتداداً اجتماعياً لمحافظة كاملة، حتى بات يُوصف بـسفارة الطفيلة في عمّان. تشير التقديرات إلى أن أكثر من خمسين ألف مواطن من أصول طفيلية يقيمون في العاصمة، يتركز ثقلهم داخل الحي الذي نشأت فيه بنية اجتماعية متماسكة تستند إلى الروابط العشائرية وثقافة التكافل.

في قلب الحي يقف مسجد جعفر الطيار شاهداً على قدرة المجتمع المحلي على تنظيم نفسه، حيث تحول إلى مؤسسة اجتماعية متكاملة. شُيّد المسجد بجهود أبناء الحي الخالصة أوائل ثمانينيات القرن الماضي، حيث تبرعت العائلات بقوت يومها وقدمت النساء مصاغهن الذهبي. ومن خلال مرافقه، تُدار حملات التكافل التي عززت حضوره كشبكة حماية اجتماعية للحي.

رغم ارتباط الحي العضوي بتاريخ العاصمة، عانى سكانه لسنوات طويلة من التهميش العمراني والخدمي، مع توسع عمّان نحو الغرب وبقاء الشرق بطابعه المكتظ.
لم يتعامل أبناء الحي مع هذا الواقع بسلبية، بل تحركوا للمطالبة بحقوقهم التنموية وتصويب الاختلالات. يؤكد السعود أن حراك حي الطفايلة لم يكن يوماً حالة صدامية، بل انطلق من شعور عميق بالمسؤولية الوطنية، وأثبت أبناء الحي تمسكهم بالسلمية، مؤكدين أن المطالبة بالإصلاح ورفض التهميش يصبان في صميم مفهوم الانتماء إلى الوطن.

امتد وعي سكان الحي ليشمل قضايا الأمة، حيث بدأ الحضور الإغاثي منذ عقود؛ بدءاً من دعم البوسنة والهرسك، مروراً بالعراق، وصولاً إلى اللاجئين السوريين. ومع اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، تعامل أبناء الطفايلة مع المأساة باعتبارها قضية تمسهم في الصميم.
لذلك، عندما اندلعت الحرب الأخيرة على غزة، لم تكن استجابة الحي مجرد رد فعل عاطفي طارئ، بل كانت امتداداً لثقافة متجذرة. تعامل أبناء الطفايلة مع مأساة غزة باعتبارها قضية تمسهم في الصميم.
يصف السعود تلك الأيام بـالملحمة؛ حيث قدمت النساء حليهن الذهبي، واقتطع الموظفون من رواتبهم، وكسر الأطفال حصالاتهم، وصولاً إلى تجهيز قوافل ومستلزمات طبية، في مشهد يجسد شعور سكان الحي بأن كل طفل في غزة هو ابن لهم.

يحتفظ حي الطفايلة بهويته كقرية دافئة داخل مدينة حديثة، ويثبت أن الإرادة المجتمعية قادرة على كتابة فصول من العمران والفاعلية، حيث رفد مؤسسات الدولة بآلاف الكفاءات من معلمين ومهندسين وأطباء وعسكريين، ليؤكد أن الحي ليس مجرد موقع جغرافي، بل ذاكرة حية تختزن قصص الكدح والتكافل.