
تبدأ الرحلة المأساوية للعديد من الأطفال في كولومبيا بنقرة بسيطة على شاشة الهاتف؛ حيث تغريهم منشورات تمجد حياة المسلحين وتعدهم بالمال والنفوذ والمكانة الاجتماعية، أو تستدرجهم عبر إعلانات وهمية عن فرص عمل، لتتحول تلك العروض سريعاً إلى محادثات خاصة تضعهم في قبضة الجماعات المسلحة.
كشف تقرير حديث وشامل صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش أن الجماعات المسلحة في كولومبيا باتت تستخدم منصات التواصل الاجتماعي بشكل متزايد لتجنيد القاصرين، مستغلة في ذلك ظروف الفقر المدقع، والتهميش الاجتماعي، وتفكك الروابط الأسرية، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على فرص تعليمية ملائمة.
تشير البيانات الأممية إلى أن وتيرة تجنيد الأطفال في كولومبيا شهدت ارتفاعاً قياسياً بنسبة 300% خلال السنوات الخمس الأخيرة. ووفقاً لبيانات مكتب أمين المظالم التي حللتها المنظمة، فقد تم تجنيد ما لا يقل عن 1500 طفل منذ عام 2021، مع تسجيل قفزة حادة في الحالات منذ مطلع عام 2023، وتتصدر الجماعات المنشقة عن حركة فارك السابقة قائمة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
ويشير التقرير إلى معطيات مقلقة تتعلق بالسكان الأصليين؛ فرغم أنهم يشكلون 4% فقط من سكان البلاد، إلا أن أطفالهم يمثلون قرابة نصف حالات التجنيد الموثقة. كما أن أكثر من 30% من هؤلاء الأطفال تقع أعمارهم في الفئة العمرية بين 10 و14 عاماً، وهو ما يعد جريمة حرب مكتملة الأركان بموجب القانون الدولي.
راجعت هيومن رايتس ووتش أكثر من 70 حساباً و40 منشوراً على منصتي فيسبوك وتيك توك، تبين أنها تروج للعمل المسلح. وأوضحت المنظمة أن الخوارزميات في هذه المنصات بدت في بعض الحالات وكأنها تساهم في انتشار هذا المحتوى الخطير. وفي حين أكدت شركتا ميتا وبايت دانس أنهما تعملان على حظر المحتوى الداعم للمنظمات العنيفة، إلا أن التجنيد لا يقتصر على العالم الرقمي فقط؛ إذ وثقت المنظمة اعتماد الجماعات على وسطاء مدنيين يتقاضون مبالغ تصل إلى ألف دولار عن كل طفل يتم استدراجه من المدارس الريفية.
بمجرد وقوع الأطفال في براثن هذه الجماعات، يتم نقلهم غالباً إلى مناطق نائية لعزلهم عن عائلاتهم. وتتعدد مهامهم بين التدريبات العسكرية، جمع المعلومات، حراسة الرهائن، وتهريب المخدرات. وتواجه الفتيات مخاطر مضاعفة تشمل العنف الجنسي والاستغلال، حيث يتم استدراجهن بوعود كاذبة بالحب أو الحماية.
على الرغم من وجود برامج حكومية لمنع التجنيد، إلا أن التقرير يشير إلى ضعف حاد في الموارد والتنفيذ. وتظهر فجوة المساءلة بوضوح، حيث لم تؤدِ الشكاوى الجنائية المتعلقة بتجنيد الأطفال خلال العقد الماضي إلا إلى إدانة 0.2% فقط من المتورطين. وتدعو المنظمة السلطات الكولومبية إلى تبني استراتيجية وطنية فعالة تشمل إصلاح سياسات الوقاية، وتوفير الحماية المجتمعية، وتعزيز الكوادر المعنية بإنقاذ الأطفال وإعادة دمجهم.