
تضمّ حسناء عبد الله العلي إلى صدرها صوراً لأشخاص لم يمنحهم الزمن فرصة الكبر؛ والدها وأخوها اللذان غيبتهما الحرب، وبقيا في ذاكرتها شابين في الصور، بينما حملت هي على عاتقها طوال عقود سؤالاً واحداً: أين انتهت بهما الحرب؟
تجسد حسناء معاناة آلاف العائلات التي شاركت في فعالية حقّكن تعرفوا ببيروت، تزامناً مع اليوم العالمي للمفقودين والمخفيين قسراً. لم تكن الفعالية مجرد استعادة لذكرى الحرب، بل صرخة للمطالبة بحق أصيل: معرفة مصير مفقودين فُقدوا في ظروف غامضة، تاركين خلفهم عائلات معلقة بين أملٍ لا ينطفئ وخوفٍ لا يزول.

تقول حسناء إن معرفة الوفاة -على قسوتها- قد تمنح القلب سكينة مفقودة؛ فامتلاك قبرٍ للزيارة أهون من حالة التعليق الأبدي بين الأمل والخوف. هذا الغموض لم يقتصر على جيل الحرب، بل تورثه الأجيال الجديدة التي تسأل عن غائبين لم تعرفهم، لكنها ورثت ثقل غيابهم.
وليست حكاية حسناء استثناءً؛ فنجية سري، التي فقدت زوجها عام 1982 حين كان في الـ25 من عمره، لا تزال بعد 44 عاماً تطالب بإجابات. ورغم تعاقب الأجيال ووعود الجهات المعنية، لا تزال الحقيقة غائبة، حيث تقول: الاجتماعات تكررت، والاتصالات لم تتوقف، لكن الإجابة التي ننتظرها لم تصل.
تشير السجلات الرسمية لعام 1991 إلى وجود أكثر من 17 ألف حالة اختفاء خلال الحرب الأهلية اللبنانية. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي قصص لآلاف العائلات التي بدأت تحركها منذ عام 1982 عبر لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين.
وفي عام 2018، صدر القانون رقم (105) ليضع القضية في إطار قانوني، معترفاً بحق العائلات في معرفة مصير ذويها، وإنشاء قاعدة بيانات للحمض النووي والبحث عن أماكن الدفن. وفي عام 2020، شُكلت الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً، والتي عادت للواجهة في 2025 مع تعيين أعضاء جدد، وسط آمال بأن تتقلص المسافة بين النص القانوني والواقع المأمول.

تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر على دعم جمع العينات البيولوجية ومطابقتها، وهو إجراء تقني يحمل في طياته آمالاً بتحويل صورة قديمة إلى اسم، واسم إلى مصير، ومصير إلى قبر. ويؤكد الدكتور شوقي أمين الدين، منسق الشؤون الإنسانية، أن هذا الملف لا تنتهي صلاحيته بالتقادم، كونه حقاً إنسانياً لا يسقط بمرور الزمن.
من جانبه، يطالب فوزي عماد، الذي فقد أقارب له عام 1982، بالحقيقة مهما كانت قاسية: نريد أن نعرف، سواء كانوا أحياء أم توفوا، نريد استعادة الرفات أو معرفة أماكنهم.

وتشدد وداد حلواني، رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين، على أن إحياء هذه المناسبات يهدف إلى تذكير الأجيال الجديدة بأن معرفة الحقيقة هي جزء أساسي من منع تكرار المأساة، وأن المفقود ليس مجرد قضية عائلية، بل هو جزء من ذاكرة وطن لم يغلق بعد أكثر فصول تاريخه إيلاماً.