
لم يعد ارتفاع حرارة الأرض ظاهرة تقتصر على ساعات النهار، فمع استمرار الاحترار العالمي، تزداد أعداد الليالي التي لا تنخفض فيها درجات الحرارة بما يكفي لتمنح الجسم فرصة للتبريد والتعافي، وهو ما يحذر منه العلماء بوصفه مشكلة صحية متزايدة.
تُعرف هذه الظاهرة باسم الليالي الاستوائية، وهي الليالي التي لا تنخفض فيها درجة الحرارة الدنيا عن 20 درجة مئوية، وقد تختلف العتبة الحرارية بحسب المناطق الجغرافية. هذه الظاهرة ليست مجرد رقم في سجلات الطقس، بل هي مؤشر على أن الليل فقد قدرته الطبيعية على توفير الانخفاض الحراري الذي يحتاجه الجسم البشري بعد يوم شاق.
شهدت الآونة الأخيرة تسجيل درجات حرارة ليلية قياسية عالمياً؛ ففي نيودلهي سجلت الحرارة الدنيا 32.4 درجة مئوية، بينما شهدت أوروبا الغربية وأجزاء من الولايات المتحدة درجات حرارة ليلية تجاوزت المعدلات الطبيعية بشكل كبير، مما أدى إلى تفاقم الشعور بالحرارة والرطوبة.
تشير البيانات إلى أن ارتفاع حرارة الليل يؤثر بشكل مباشر على جودة النوم. ففي تحليل شمل أكثر من 1300 مدينة عالمية خلال الفترة بين 2020 و2025، تبين أن السكان خسروا في المتوسط نحو 56 ساعة من النوم سنوياً لكل شخص بسبب حرارة الليل، مع تضرر أكبر في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا.
عندما يستعد الإنسان للنوم، تنخفض درجة حرارة الجسم الأساسية وتتوسع الأوعية الدموية لنقل الحرارة من الداخل إلى الجلد. لكن ارتفاع حرارة غرفة النوم، خاصة مع الرطوبة، يعرقل هذه العملية الحيوية. وبينما يستطيع الإنسان التكيف مع الحرارة نهاراً بفتح النوافذ أو شرب الماء، تظل قدرته على اتخاذ هذه الإجراءات محدودة جداً أثناء النوم، مما يجعل التأثير الحراري أكثر استمراراً وإزعاجاً.
لا يقتصر الضرر على الأرق، بل يمتد للجهاز القلبي الوعائي؛ فعندما يحاول الجسم التخلص من حرارته، يضخ القلب كمية أكبر من الدم باتجاه الجلد، مما يرفع معدل ضربات القلب ويزيد العبء عليه. كما أن التعرق المستمر يؤدي إلى فقدان السوائل وخطر الجفاف، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
تتجاوز التبعات الصحية مجرد الشعور بالإرهاق؛ إذ أظهرت دراسات في شرق آسيا ارتباط موجات الحر الليلية بزيادة قدرها 3% في معدلات الوفيات. وفي هونغ كونغ، ارتبطت الليالي التي بلغت حرارتها 30 درجة مئوية بزيادة في دخول المستشفيات وصلت إلى 5.3% بين الفئات الأكثر ضعفاً، مما يؤكد أن حرارة الليل هي عامل خطر متزايد يتطلب الانتباه.