
مضت ستة أشهر على بدء الحملة العسكرية المنسقة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير الماضي. وعلى الرغم من أن الحرب تبدو في ظاهرها حلقة جديدة في صراع طويل الأمد بين واشنطن وطهران، إلا أن سياقها الحقيقي يكمن في تداعيات أحداث 7 أكتوبر 2023؛ حيث أدت الحرب في غزة إلى استنزاف شبكة حلفاء إيران، وجرت طهران وواشنطن إلى مواجهة مباشرة، بلغت ذروتها في حرب يونيو 2025 ثم الحملة العسكرية الحالية.
بعد مئة يوم من القتال، كان بوسع طهران تصوير المشهد كـ انتصار للبقاء، بعد فشل خصومها في إسقاط النظام. لكن اليوم، وبعد مرور ستة أشهر، بات هذا الادعاء أكثر صعوبة؛ إذ انتقل ثقل الضغط إلى النقطة الأكثر ضعفاً في البنية الإيرانية: الاقتصاد. لم يعد السؤال يتمحور حول القدرة على الصمود عسكرياً، بل حول إمكانية تحمل حصار اقتصادي لا تلوح في الأفق أي بوادر لرفعه.
يعد التغيير في هرم السلطة أبرز ملامح المرحلة؛ فبعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الأولى، جرى تعيين نجله مجتبى خلفاً له، في خطوة قُدمت كدليل على التماسك. إلا أن مجتبى لم يظهر علنياً بشكل موثق حتى الآن، وتقتصر صورته على المسيرات والمراسم الرسمية. إن قيادة كانت تستمد سلطتها من الحضور المادي لشخص واحد، باتت اليوم تعتمد جزئياً على غيابه.
كما اضطرت الدولة لإعادة بناء هيكلها القيادي العسكري وسط أتون الحرب، بعد مقتل قادة بارزين مثل محمد باكبور وعبد الرحيم موسوي. ورغم التعيينات الجديدة في أغسطس الماضي، إلا أن الرسالة الضمنية واضحة: الدولة التي تعيد تشكيل قيادتها العليا في الشهر السادس من الحرب، لا تتحرك من موقع قوة.
عادت الحرب إلى جذورها الاقتصادية مع إطلاق واشنطن عملية المنبوذ اقتصادياً (Economic Outcast) في 24 أغسطس، وهي حملة موسعة تهدف لقطع ما تبقى من روابط مالية لإيران مع العالم. النتائج بدت واضحة؛ فقد انخفضت صادرات النفط من 1.8 مليون برميل يومياً إلى أقل من نصف مليون، بينما قاربت معدلات التضخم 90 بالمئة، وتضاعفت أسعار المواد الغذائية.
هذا الضغط يجد بيئة خصبة في اقتصاد يعاني أصلاً من تعرض هيكلي تراكم عبر عقود، ولم تفلح الشراكات الاستراتيجية مع الصين أو روسيا في توفير الاستقرار المنشود. وزاد من حدة الأزمة إغلاق مضيق هرمز منذ 28 فبراير، حيث اندمج الحصار البحري مع إغلاق الممر المائي ليشكل طوقاً خانقاً على التجارة الإيرانية.
كشف الضغط عن انقسام عميق في الرؤى داخل النخبة الإيرانية. فبينما يقر الرئيس مسعود بزشكيان بصراحة بأن الصعوبات الاقتصادية تضاعفت عدة مرات ويدعو إلى إنهاء الحرب من موقع قوة، يتمسك التيار الأمني بمنطق المقاومة، معتبراً أن الدبلوماسية لا تجدي نفعاً دون استعداد عسكري.
حتى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي يتبنى خطاباً حذراً، بات يعترف علناً بأن الجوع وليس القصف هو التهديد الأكبر. هذا التحول في الخطاب من الثقة المطلقة إلى التحذير من الانهيار الاجتماعي يعكس حجم المأزق الذي تواجهه القيادة.
في نهاية المطاف، تظل إيران أمام خيار بالغ الصعوبة: التفاوض على تسوية بشروط واشنطن، وهو ما يهدد بحدوث شرخ داخلي يخشاه المتشددون، أو الاستمرار في المواجهة مع اقتصاد ينزف وشتاء سيختبر قدرة الدولة على توفير الاحتياجات الأساسية. ومع استمرار هذا النمط من المواجهة، تظل التسوية السياسية بعيدة المنال، في حلقة مفرغة لا تظهر أي علامات على الانتهاء قريباً.