
قبل نحو 65 عاماً، كان كوكب الزهرة لغزاً محاطاً بسحب كثيفة تحجب سطحه عن الرصد البصري. وفي ستينيات القرن الماضي، استخدم علماء مختبر الدفع النفاث التابع لمعهد كاليفورنيا للتقنية الرادار لرصد سطح الزهرة من الأرض، وتمكنوا من تحديد أن الكوكب يدور ببطء شديد في اتجاه معاكس لدوران الأرض، إذ يحتاج إلى نحو 243 يوماً لإكمال دورة واحدة حول محوره.
لكن اليوم، يطرح الزهرة تحدياً علمياً جديداً؛ إذ يحذر بحث حديث قاده ستيفن كين، عالم الفيزياء الفلكية الكوكبية في جامعة كاليفورنيا (ريفرسايد)، من أن العلماء الذين يدرسون كواكب بعيدة قد يقعون في فخ الخلط بين دوران الكوكب الفعلي وحركة غلافه الجوي، وهي مشكلة تزداد تعقيداً لأن أسطح معظم الكواكب النجمية غير مرئية مباشرة، بينما يمكن رصد آثار غلافها الجوي بسهولة.
تكمن المفارقة في أن الزهرة يبدو كأنه كوكبان في آن واحد؛ فالكوكب الصلب يستغرق 243 يوماً للدوران حول محوره، بينما تتحرك طبقاته السحابية العليا حول الكوكب في 4 أيام فقط، في ظاهرة تُعرف بـالدوران الفائق. هذا يعني أن الغلاف الجوي يقطع دورة كاملة أسرع بعشرات المرات من سطح الكوكب، ولو اعتمد العلماء على حركة السحب وحدها، لاستنتجوا خطأً أن الزهرة يدور بسرعة هائلة.
ويؤكد كين أن دوران الكوكب عنصر أساسي لفهم مناخه، إذ تؤثر سرعة الدوران في توزيع الحرارة وحركة الغلاف الجوي وتفاعل الأنظمة المناخية. ومن هنا، فإن أي قياس مأخوذ من طبقة جوية واحدة قد يصف في الواقع حركة الرياح والطقس، وليس طول اليوم الحقيقي للكوكب.
تتجاوز أهمية هذا البحث كوكب الزهرة لتشمل آلاف العوالم التي تدور حول نجوم أخرى، حيث لا يملك العلماء صوراً مباشرة للأسطح، بل يستدلون على خصائصها من تغيرات ضوء النجم أو الإشارات الجوية.
ويقترح البحث استخدام أطوال موجية متعددة لدراسة طبقات الغلاف الجوي، حيث يمكن للرصد بالأشعة تحت الحمراء توفير معلومات عن مستويات أعمق تتحرك ببطء أكبر من السحب المرتفعة، مما يسمح بفصل حركة الرياح عن الدوران الحقيقي للكوكب.
قد تساعد مهمة بلاتو (PLATO) التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، المقرر إطلاقها في مارس 2027، في اختبار هذه الفكرة على نطاق أوسع، إذ يُتوقع أن تسهم في اكتشاف مئات الكواكب الشبيهة بالزهرة، مما يساعد الباحثين في معرفة ما إذا كان الدوران البطيء مرتبطاً بتطور البيئات القاسية.
إن المعرفة التي بدأت بقياسات رادارية للزهرة قبل عقود أصبحت اليوم أساساً لفهم كواكب لا نستطيع الوصول إليها، وكلما تطورت أدوات الرصد، أصبح العلماء أكثر قدرة على التمييز بين ما يرونه فعلاً وما قد يوهمهم به الكون.