
يواجه آلاف الطلاب اليمنيين واقعاً تعليمياً مريراً، حيث باتت طموحاتهم الأكاديمية رهينة للانقسام السياسي والإداري الذي تعيشه البلاد منذ أكثر من عقد. ومع تضارب القرارات بين صنعاء وعدن، وجد الطلاب أنفسهم في مأزق يهدد مساراتهم التعليمية، لا سيما الراغبين منهم في إكمال دراستهم الجامعية في الخارج.
بشار محمد، شاب في التاسعة عشرة من عمره، يمثل نموذجاً لعشرات الطلاب الذين تقطعت بهم السبل. فبعد تخرجه من المرحلة الثانوية في صنعاء، واجه صدمة قرار وزارة التربية والتعليم في الحكومة المعترف بها دولياً والقاضي بتعليق مصادقة الشهادات المدرسية الصادرة من مناطق سيطرة الحوثيين، بذريعة عدم القدرة على الوصول إلى السجلات الرسمية للتحقق من صحة الوثائق.
يقول بشار: هذا القرار يعني أن 12 عاماً من الدراسة ذهبت سدى، وحلمي في الدراسة بالخارج بات معلقاً في المجهول، مشيراً إلى أن تعقيدات المصادقة من وزارة الخارجية تتطلب بالضرورة ختماً من وزارة التربية، وهو ما بات مستحيلاً في ظل الإجراءات الحالية.
يرى أيمن أحمد، طالب خريج من محافظة ريمة، أن الإجراءات الأخيرة تمثل عقاباً جماعياً للطلاب الذين لا يملكون أي سلطة لتغيير الواقع السياسي. ويضيف: نحن كطلاب وأولياء أمور لا نملك القدرة على مواجهة السلطات أو إجبار الأطراف على التنسيق، لذا فإن اعتبار شهاداتنا غير صالحة هو أمر غير عادل.
من جانبه، أوضح وزير التربية والتعليم في الحكومة المعترف بها، عادل العبادي، أن قرار التعليق لا يشمل كافة السنوات الدراسية، مشيراً إلى أن الوزارة لا تزال تمتلك سجلات لبعض السنوات التي تتيح لها التحقق من الوثائق، مؤكداً أن العائق يكمن في غياب البيانات لسنوات أخرى، وهو ما ترفض أطراف النزاع تجاوزه عبر التنسيق الإداري.
أدى الانقسام الجغرافي منذ عام 2015 إلى نشوء نظامين تعليميين متوازيين، يختلفان في التقويم الدراسي والمناهج وطرق الامتحانات. ويرى الباحث الاجتماعي محمد عبدو أن غياب التنسيق التام بين الوزارتين في صنعاء وعدن خلق فجوة تعليمية عميقة، حيث تترجم هذه الخلافات إلى تباين في المحتوى التعليمي وتوقيتاته، مما يعقد فرص الطلاب في الاندماج المستقبلي.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 2,800 مدرسة في اليمن تعرضت للتدمير أو الضرر، أو تم تحويل استخدامها لأغراض غير تعليمية، في حين يظل أكثر من 6.6 مليون طفل خارج مقاعد الدراسة، مما يجعل من أزمة الشهادات فصلاً جديداً في سلسلة المعاناة التي تفتك بقطاع التعليم.
يؤكد عارف ناجي علي، مستشار وزارة التربية في عدن، أن استمرار الانقسام في السياسات التعليمية يمثل إحدى أخطر تبعات الصراع اليمني. ويشدد على أن التعليم يجب ألا يتحول إلى ساحة للتجاذبات السياسية، والطلاب هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
بينما يظل المعلمون والطلاب في حالة ترقب، يرى المراقبون أن الحل يكمن في ضرورة تحييد التعليم عن الصراع العسكري والسياسي، لضمان عدم ضياع أجيال كاملة من الطلاب الذين باتوا يرون في شهاداتهم مجرد أوراق لا تفتح لهم أبواب المستقبل.