
قد تحمل الشيفرة الوراثية للإنسان أدلة قادرة على حلّ لغز أسلاف بشريين لا وجود واضحاً لهم في السجل الأحفوري، لكنّ آثارهم ما تزال حاضرة في جينات البشر الذين يعيشون اليوم. ورغم أن العلم أثبت سابقاً تزاوج الإنسان العاقل مع النياندرتال والدينيسوفان، إلا أن تحديد سلالات أخرى ظل لغزاً محيراً، حيث تشبه هذه السلالات أشباحاً جينية لا تتوفر عينات مباشرة من حمضها النووي.
والآن، طور باحثون طريقة حاسوبية مبتكرة تُدعى TRACE، قادرة على تحليل جينومات البشر المعاصرين لكشف أدلة على وجود سلالتين مجهولتين سابقاً، وذلك عبر تتبع الحمض النووي لدى البشر الأحياء لإعادة بناء أجزاء مفقودة من شجرة العائلة البشرية.
أوضحت نتائج الدراسة المنشورة في دورية Science أن إحدى السلالتين تزاوجت مباشرة مع الإنسان العاقل في أفريقيا قبل أكثر من 50 ألف عام، بينما تنتمي السلالة الثانية إلى مجموعة فائقة القِدم انفصلت عن شجرة العائلة البشرية قبل نحو 1.8 مليون سنة، ونقلت حمضها النووي إلى البشر المعاصرين بشكل غير مباشر عبر الدينيسوفان.
وتصف بريا مورجاني، المشاركة في الدراسة، جينوم الإنسان بأنه فسيفساء مكونة من أجزاء موروثة من أسلاف متعددين، حيث لكل منطقة من الجينوم شجرة عائلية مختلفة. وقد اختبر الباحثون تقنية TRACE على أكثر من 500 جينوم لأشخاص من أفريقيا وأوروبا وآسيا، مؤكدين العثور على آثار للسلالة الأحدث في جميع المجموعات المدروسة.
رغم عدم قدرة العلماء حتى الآن على استخراج حمض نووي مباشر من هذه المجموعات، إلا أنهم وضعوا فرضيات مبنية على تاريخ الانفصال الجيني:
ويشير أرغون بيداندا، أحد الباحثين المشاركين، إلى أن هذا الاكتشاف يمثل طفرة علمية، إذ يكشف مساهمات جينية من سلالات عاشت قبل أكثر من مليون سنة دون الحاجة لوجود أحافير. ويأمل العلماء أن تساهم هذه التقنية مستقبلاً في كشف المزيد من السلالات المخفية، ليس لدى البشر فحسب، بل في أنواع حيوانية أخرى أيضاً، حتى يتم التوصل إلى أدلة مادية مباشرة من خلال الحمض النووي المستخرج من الأحافير القديمة.