
نجحت الصين في تحويل اعتمادها الكبير على النفط المستورد من ثغرة إستراتيجية إلى أداة تمنحها مرونة عالية في مواجهة الضغوط الغربية واضطرابات الإمدادات العالمية، وذلك عبر مراكمة أكبر مخزون نفطي في العالم بالتوازي مع تسريع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة.
وأظهرت التطورات الأخيرة في سوق الطاقة، لا سيما خلال أزمة الإمدادات المرتبطة بالصراعات الإقليمية، حجم التحول في معادلة الطاقة الصينية؛ إذ سمحت المخزونات الضخمة لبكين بخفض وارداتها النفطية بشكل حاد، مما ساهم في كبح ارتفاع أسعار الخام عالمياً.
تكتسب هذه السياسة أهمية قصوى في رؤية الرئيس الصيني شي جين بينغ لتعزيز قدرة الاقتصاد على تحمل الصدمات الخارجية. ولعقود، شكل الاعتماد على النفط المستورد قلقاً لبكين، خاصة مع مرور معظم الإمدادات عبر ممرات بحرية حساسة مثل مضيق ملقا. اليوم، تشير التقديرات إلى أن احتياطيات الصين النفطية تتجاوز نظيرتها الأمريكية بنحو 600 مليون برميل، بفضل استثمارات بمليارات الدولارات.

على الرغم من غياب الأرقام الرسمية، تقدر الاحتياطيات الإستراتيجية للصين بما يتراوح بين مليار و1.4 مليار برميل، وهو ما يغطي نحو 120 يوماً من الواردات. وقد استغلت بكين خصومات الأسعار المرتبطة بالعقوبات الغربية لتعزيز مخزوناتها من الخام الروسي والإيراني بشكل مكثف منذ عام 2024.

وقد انعكست هذه السياسة في الفجوة الواضحة بين تراجع واردات الخام وانخفاض نشاط المصافي، حيث سحبت الصين من مخزوناتها التجارية لتعويض نقص الواردات، مما منحها مساحة للمناورة دون الحاجة إلى الذعر في الأسواق.
لم يقتصر التحرك الصيني على التخزين، بل امتد ليشمل تقليص الاعتماد على النفط لصالح الطاقة المتجددة. وبحسب البيانات الرسمية، وفرت المصادر المتجددة نحو 40% من إجمالي توليد الكهرباء في النصف الأول من العام، كما أصبحت مركبات الطاقة الجديدة تشكل نصف المبيعات السنوية للسيارات.

رغم هذه المرونة، تواجه الصين تحديات حقيقية؛ إذ إن الاستمرار في خفض الواردات يضغط على أرباح المصافي ويؤثر على قطاع الصناعات البتروكيماوية، الذي ساهم في تباطؤ النمو الاقتصادي مؤخراً. ومع ذلك، يرى خبراء أن هذه الأدوات أصبحت جزءاً أساسياً من الردع الجيوسياسي الصيني، حيث بات بإمكان بكين تحييد الضغوط الغربية المتعلقة بقطع خطوط إمدادات الطاقة، مما يغير قواعد اللعبة في أي مواجهة إستراتيجية مستقبلية.