
لا يقتصر تعطل مجلس النواب الليبي على كونه أزمة إجرائية داخل مؤسسة تشريعية، بل يتجاوز ذلك ليتقاطع مع تعقيدات إدارة المال العام، وغياب الموازنة الموحدة، والخلافات حول أداء مصرف ليبيا المركزي، في مشهد يفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الدولية.
يؤكد أعضاء في مجلس النواب أن المؤسسة التشريعية لم تعقد جلسة رسمية منذ نحو 8 أشهر، باستثناء جلستين تشاوريتين خلال شهر رمضان. ويرى مراقبون أن استمرار هذا الشلل أضعف قدرة المجلس على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي، خاصة في ملف متابعة المال العام.
ويشير نواب إلى أن هيئة رئاسة المجلس لم تستجب للمطالب المتكررة بعقد جلسة ذات جدول أعمال واضح لمناقشة المستجدات السياسية والاقتصادية، مما يضعف قدرة المؤسسة على اتخاذ قرارات حاسمة في مرحلة حرجة.
تتجلى آثار التعطل البرلماني في الملف المالي، حيث تواجه الدولة صعوبات في إدارة الإنفاق العام نتيجة غياب مرجعية قانونية واضحة، وعدم وصول كامل الإيرادات النفطية إلى المصرف المركزي. ويواجه العمل بقاعدة 1 على 12 -التي تتيح الإنفاق المؤقت- تحديات كبيرة في ظل الوضع الراهن، ما أدى إلى عجز في تغطية الإنفاق التنموي.
من جانبه، يحدد مصرف ليبيا المركزي أسباباً إضافية لصعوبات إدارة الإنفاق، تشمل:
يحذر صندوق النقد الدولي من أن المسار المالي الليبي غير مستدام، مشيراً إلى أن 93% من الصادرات و72% من الإيرادات تعتمد على المحروقات، مما يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لتقلبات الإنتاج والأسعار، في ظل تعدد مراكز القرار وغياب الرقابة الفاعلة.
يرى مراقبون أن عجز المؤسسات الوطنية عن حسم خلافاتها داخلياً قد منح مساحة أوسع للوساطة الدولية. وفي هذا السياق، شهدت الفترة الماضية تحركات للجنة 4+4 التي وقعت بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق بشأن القوانين الانتخابية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة هذه المسارات على تجاوز الانقسام.
ويخلص المحللون إلى أن الأزمة الليبية لا تزال محاصرة بين عجز المؤسسات المحلية عن تحقيق توافق مستدام، والتدخلات الخارجية التي قد تتحول من أداة لتسهيل الحل إلى بديل عن المؤسسات الوطنية، ما لم تتم استعادة زمام العملية السياسية عبر توحيد المرجعيات المالية والتشريعية.