
في الدقائق الأولى التي تلي ولادة الطفل، يُنظر عادةً إلى الحبل السري والمشيمة كبقايا بيولوجية يتم التخلص منها. لكن العلم الحديث كشف عن كنز مخفي داخل هذا الدم، إذ يحتوي على خلايا جذعية ذات قدرة فائقة على إعادة بناء الجهاز المناعي وتكوين الدم، مما جعلها ركيزة أساسية في علاج العديد من الأمراض المستعصية.
هو الدم المتبقي في الأوعية الدموية للحبل السري والمشيمة بعد الولادة، ويتميز بتركيز عالٍ من الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم. وتكمن أهميته في كونه مصدراً متاحاً لهذه الخلايا دون الحاجة إلى تدخلات جراحية مؤلمة أو أخذ أنسجة من الجنين، حيث يتم جمعه بعد قطع الحبل السري مباشرة.
تخضع عملية الجمع لبروتوكولات طبية دقيقة لضمان سلامة العينة. بعد الجمع، تُنقل العينة إلى المختبر لإجراء فحوصات الجودة، وتقدير عدد الخلايا الجذعية، والتأكد من خلوها من التلوث. العينات المطابقة للمعايير تُحفظ في درجات حرارة منخفضة جداً (تجميد عميق) لضمان بقائها صالحة للاستخدام لسنوات طويلة.
تُستخدم هذه الخلايا في عمليات الزرع لعلاج مجموعة محددة من الأمراض، منها:
شهدت قطر نقلة نوعية في هذا المجال مع إطلاق مستشفى سدرة للطب لأول بنك محلي لدم الحبل السري، والذي يعمل وفق معايير التصنيع الجيد (GMP). ويوفر البنك إمكانية حفظ العينات لمدة تصل إلى 30 عاماً، مما يقلل الفواصل اللوجستية ويضمن سرعة الاستجابة للحالات الطبية. كما توسعت هذه الخدمة عبر اتفاقيات تعاون مع مستشفيات أخرى مثل مستشفى ذا فيو.
من الضروري التمييز بين الحقائق العلمية والوعود التجارية؛ فالتخزين العائلي لا يضمن علاج الطفل بنفسه في حال وجود أمراض وراثية، كما أن الاستخدامات في مجالات مثل التوحد والشلل الدماغي لا تزال في إطار الأبحاث السريرية ولم تُعتمد كعلاجات روتينية بعد. وتؤكد المؤسسات الصحية أن القرار بالتخزين يجب أن يُبنى على استشارة طبية دقيقة وتاريخ العائلة المرضي، وليس بدافع الخوف أو الضمانات المطلقة.
إن دم الحبل السري يظل مورداً بيولوجياً ثميناً، وتطوير تقنيات استخدامه، مثل معالجة الخلايا مخبرياً لزيادة فعاليتها، يفتح آفاقاً واعدة للطب التجديدي، شريطة الالتزام بلغة العلم والدليل السريري.