
تشهد أسواق السندات الحكومية العالمية حالة من التقلب الحاد، مع صعود العوائد طويلة الأجل إلى مستويات لم تشهدها الاقتصادات الكبرى منذ عقود. هذا التحول لا يقتصر أثره على المستثمرين، بل يمتد ليطال تكلفة اقتراض الحكومات والشركات والأفراد، ويفرض ضغوطاً متزايدة على التضخم والموازنات العامة، خاصة في الدول الأكثر اعتماداً على التمويل الخارجي.
سجلت عوائد السندات مستويات قياسية تعكس حالة من عدم اليقين؛ حيث بلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً 5.34%، وهو الأعلى منذ عام 2007، بينما وصل عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.74%. ولم تكن الأسواق الأخرى بمنأى عن هذا الاضطراب:
يرى خبراء اقتصاديون أن ارتفاع العوائد يعكس فقدان المستثمرين لصبرهم تجاه السياسات المالية التي تستنزف الموارد في الاقتصادات الكبرى. وتتفاقم هذه الضغوط بدخول شركات التكنولوجيا العملاقة، خاصة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، كطرف منافس للحكومات على السيولة المتاحة لتمويل استثماراتها الضخمة في البنية التحتية.
تتحول عوائد السندات إلى معدلات مرجعية لتسعير القروض في الاقتصاد الحقيقي. ففي الولايات المتحدة، يرتبط عائد سندات الخزانة بأسعار الرهن العقاري وقروض السيارات، وهو ما يعني أن الارتفاع الحالي يترجم مباشرة إلى أعباء مالية أكبر على الأسر، بينما تدفع الشركات لتأجيل استثماراتها أو تمرير تكاليف التمويل المرتفعة إلى أسعار السلع والخدمات.
تتأثر الدول العربية بهذه الموجة العالمية وفقاً لهيكل ماليتها العامة:
1. الدول الأكثر اعتماداً على التمويل الخارجي: تواجه هذه الدول ضغوطاً متزايدة على موازناتها، حيث يعني ارتفاع العوائد العالمية تكلفة أعلى لأي اقتراض جديد أو إعادة تمويل للديون القائمة، مما يقلص المساحة المالية المتاحة للإنفاق على الخدمات العامة.
2. الدول العربية صاحبة الفوائض المالية: بالنسبة لدول الخليج والجزائر وليبيا والعراق، فإن الصورة تبدو مختلفة؛ إذ يمكن لهذه الدول الاستفادة من ارتفاع العوائد على أصولها واستثماراتها الخارجية في أدوات الدخل الثابت. ومع ذلك، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في اضطرابات إمدادات الطاقة، التي قد تضغط على الإيرادات النفطية وتخلق معادلة صعبة بين مكاسب الاستثمار المالي وتراجع الموارد التقليدية.
وفي المحصلة، يظل استمرار أسعار الفائدة العالمية عند مستويات مرتفعة، بالتزامن مع التوترات الجيوسياسية، عاملاً حاسماً في إعادة رسم ملامح النمو الاقتصادي عربياً وعالمياً، مما يجعل من إدارة الدين والسيولة أولوية قصوى لصناع القرار في المرحلة الراهنة.