
في غضون 20 دقيقة فقط، تحولت قرى نيبالية بأكملها إلى أثر بعد عين، تحت وطأة مياه وأوحال جارفة، في وقت كانت فيه السماء صافية تماماً، ومقاييس الأرصاد الرسمية تشير إلى استقرار الأجواء. هذا اللغز المأساوي الذي خلفته كارثة 26 أغسطس/آب، كشف عن فجوة بنيوية في منظومة الإنذار المبكر التي أثبتت عجزها عن التعامل مع انهيارات جبلية غير متوقعة.
ففي ذلك التاريخ، انهار جزء من نهر لانغتانغ ليرونغ الجليدي في جبال الهيمالايا، مما أدى إلى تدفق كتلة هائلة من الجليد والصخور، خلفت وفق التقديرات الرسمية أكثر من 800 قتيل وآلاف المفقودين.
يرى الخبراء أن الخلل يكمن في العمى الجيولوجي الذي أصاب منظومة الإنذار، حيث صُممت هذه الأنظمة وفق فرضية أن الخطر يأتي حصراً من الأمطار الغزيرة أو الارتفاع التدريجي لمنسوب الأنهار. يوضح سارثاك شريستا، المختص في الاستشعار عن بعد، أن أجهزة القياس لم تسجل أي حالات شاذة حتى الساعة 8:40 صباحاً، حين توقف إرسال البيانات ليس بسبب تراجع الخطر، بل لأن السيول جرفت أجهزة الاستشعار ذاتها قبل أن تتمكن من إطلاق أي تحذير.

تشير التحليلات إلى أن الكارثة بدأت بانهيار جليدي صخري سقط لمسافة 1200 متر، محدثاً هزة أرضية بلغت قوتها 5.2 درجات، تلاها تشكل سد مؤقت من الجليد والطين، انهار بدوره ليطلق سيلاً مدمراً. ويحدد حاتم شريف، أستاذ الهندسة المدنية، ثلاثة مصادر اجتمعت في آن واحد لتصنع المأساة:
تضاعفت معدلات فقدان الجليد في منطقة الهيمالايا منذ عام 2000، حيث خسرت جبال نيبال نحو ثلث كتلتها الجليدية في العقود الثلاثة الأخيرة. هذا التغير المناخي خلق جيوباً مناخية شديدة التقلب، تجعل التنبؤ بالانهيارات أمراً في غاية الصعوبة.
من جانبه، أكد توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أن الاستجابة الطارئة ضرورية ولكنها ليست كافية، داعياً إلى إعادة النظر في الأولويات التقنية والاستثمار في أنظمة إنذار قادرة على رصد المخاطر الجبلية المعقدة في المناطق الوعرة.