
بعد مرور أكثر من 15 عاماً على الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، عادت شعارات الثورة التونسية شغل، حرية، كرامة وطنية لتصدح مجدداً في شوارع البلاد، مدفوعةً بأزمات معيشية متفاقمة شملت انقطاعات المياه والكهرباء، وارتفاع الأسعار، ونقص الأدوية، في ظل واقع سياسي تغيرت معالمه بشكل جذري.
تأتي هذه التطورات مع إحياء تونس ذكرى مرور خمس سنوات على قرارات الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021، التي أطاح فيها بالحكومة وعلق عمل البرلمان، معتبراً إياها ضرورة لإنهاء حالة الشلل السياسي والفساد التي شهدتها البلاد. ورغم الترحيب الشعبي الذي قوبلت به تلك الخطوات في حينها، إلا أن التوقعات الاقتصادية لم تتحقق، بينما انحسر هامش الحريات السياسية بشكل ملحوظ.
لم ينجح النظام السياسي الجديد في معالجة الإرث الثقيل من الأزمات الاقتصادية. فبعد عقد من التعددية الحزبية والانتخابات، ظلت معدلات البطالة مرتفعة، لا سيما بين الشباب، وواصلت الخدمات العامة تدهورها. وقد استغل سعيد حالة الإحباط الشعبي ليقدم نفسه كـ منقذ من النظام التقليدي، إلا أن الواقع بعد خمس سنوات يشير إلى استمرار المعاناة.
شهدت السنوات الأخيرة حملة توقيفات واسعة طالت سياسيين وصحفيين ونشطاء ضمن ما عُرف بـ قضية التآمر، حيث اتهمت السلطات الموقوفين بالتخطيط لزعزعة أمن الدولة. وفي أبريل 2025، صدرت أحكام قضائية قاسية بحق العشرات، تبعتها قرارات استئنافية في نوفمبر من العام ذاته بتأييد معظم تلك الأحكام، وسط انتقادات دولية وحقوقية وصفت المحاكمات بأنها مسيسة وتفتقر لمعايير المحاكمة العادلة.
تفاقمت الأزمات الخدمية مؤخراً، حيث سجلت درجات الحرارة مستويات قياسية هذا الصيف، مما أدى إلى ضغط هائل على شبكة الكهرباء تسبب في انقطاعات متكررة، طالت حتى محطات ضخ المياه. وأصبح الحصول على الأساسيات اليومية تحدياً يومياً للمواطن التونسي.
يشير مراقبون وصحفيون، مثل منال دربالي، إلى أن الفضاء العام الذي فُتح بعد ثورة 2011 قد تعرض للإغلاق التدريجي. وأكدت دربالي أن الصحفيين يواجهون اليوم صعوبة بالغة في الحصول على المعلومات من المؤسسات الحكومية، مما أعاد الاعتماد على فيديوهات المواطنين كمصدر بديل للأخبار، وهو ما يعكس تراجعاً في المؤسسات التي كانت تضمن الرقابة والشفافية.
رغم ظهور حركات جديدة مثل نفس التي تحاول توحيد قوى المعارضة والمستقلين، إلا أن المشهد التونسي لا يزال منقسماً. فبينما يرى البعض أن النظام الحالي فشل في تقديم البديل الاقتصادي، لا يزال هناك قطاع من التونسيين يتوجس من العودة إلى منظومة ما قبل 2021.
إن التحدي اليوم يتجاوز مجرد تقييم أداء الحكومة؛ إذ يجد التونسيون أنفسهم أمام واقعٍ تلاشت فيه قنوات التعبير عن الغضب، بينما ظلت المطالب الأساسية بالكرامة والعدالة الاجتماعية معلقة، في انتظار حلول جذرية لأزماتٍ تراكمت عبر السنين.