
في أزقة سوق أم درمان العريقة، لا يزال الراديو يحتفظ ببريق لم تطفئه سطوة التكنولوجيا الحديثة. هناك، حيث تتراص محال الصيانة الصغيرة، يرفض عشاق الأثير التخلي عن أجهزتهم التي تعود لستينيات القرن الماضي، محولين إياها من مجرد خردة إلى رفاق درب لا غنى عنهم.
يقول الشاعر الرشيد النوراني الطاهر، الذي لا يزال متمسكاً بجهازه القديم، إن الراديو لم يختفِ بل تطور ليتخذ أشكالاً جديدة، مؤكداً أن مكانته في وجدان السودانيين تتجاوز مجرد كونه وسيلة إعلامية.
يرى صفوان عبد الله، العامل في صيانة الإلكترونيات، أن سر استمرار الراديو يكمن في بساطته. فكبار السن الذين يجدون صعوبة في التعامل مع تعقيدات الهواتف الذكية والتطبيقات، يجدون في الراديو ملاذاً آمناً للحصول على المعلومات والأخبار، خاصة مع ميزته في العمل بالبطاريات بعيداً عن تقلبات التيار الكهربائي.
منذ عام 2002، يمارس الشعراني عبد القادر يوسف مهنة الصيانة، ويؤكد أن طاولة عمله لا تخلو يومياً من أجهزة قديمة يحرص أصحابها على إصلاحها، معتبراً أن الراديو جزء من عادات اجتماعية متوارثة لا يمكن أن تندثر.
وفي الجهة المقابلة من السوق، يفتح محمد أحمد الطاهر محله الذي يعمل فيه منذ عام 1990. بالنسبة له، فإن صيانة الراديو هي عملية حفاظ على الذاكرة. ويؤكد الطاهر أن الأجهزة الحديثة لم تسلب الراديو مكانته، بل جعلته خياراً موازياً يفضله الكثيرون نظراً لاعتماديته العالية.
لقد ارتبط السودانيون بالإذاعة الوطنية لعقود، ومع اضطراب البث بسبب ظروف الحرب في أبريل 2023، أثبتت عودة الإرسال أن الراديو ليس مجرد تقنية، بل هو صوت يعكس ذاكرة الأمة. ويشير الخبير الإعلامي خالد الفكي إلى وجود ارتباط وجداني عميق بين المواطن وهذا الجهاز، وهو ما يفسر حضوره المستمر في الحافلات، والمحال، والبيوت رغم طغيان المنصات الرقمية.