
في تحول إستراتيجي لافت، تسعى سوريا إلى استثمار موقعها الجغرافي لإعادة صياغة دورها كحلقة وصل حيوية تربط موارد الطاقة في الخليج بأسواق المتوسط وأوروبا، مستفيدة من حالة الاضطراب التي تشهدها طرق الشحن البحرية التقليدية، وتحديداً عقب تعطل الملاحة في مضيق هرمز.
وتشير تقارير دولية إلى تدفق يومي لنحو 5 آلاف شاحنة محملة بالنفط عبر الصحراء السورية، قادمة من مصافي جنوب العراق وصولاً إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط. هذا المسار، الذي بدأ كتجربة عراقية للالتفاف على مخاطر مضيق هرمز، تحول سريعاً إلى نموذج تشغيلي لما يمكن أن تصبح عليه سوريا كمركز إقليمي للنقل والطاقة.

في خطوة تعكس تحولاً في المشهد الجيوسياسي، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعم مشروع تقوده شركة شيفرون لإنشاء خط أنابيب يربط البصرة بميناء بانياس، بطاقة نقل تصل إلى مليوني برميل يومياً. المشروع الذي تقدر تكلفته بـ5.7 مليارات دولار، يهدف إلى منح مصدري النفط منفذاً بديلاً يقلل الاعتماد على الممرات المائية الحساسة.
ومن المتوقع أن يضم الائتلاف المنفذ للمشروع شركات كبرى مثل توتال إنرجيز إلى جانب مستثمرين إقليميين من قطر والكويت والبحرين، مما يعزز من فرص تحويل سوريا إلى جسر تجاري عابر للقارات.

رغم الطموح الاقتصادي، يواجه المشروع عقبات لوجستية وأمنية معقدة، أبرزها ضرورة تأمين البنية التحتية في مناطق لا تزال تشهد نشاطاً لخلايا متطرفة أو فصائل مسلحة. وتخطط السلطات السورية للاعتماد على تقنيات المراقبة الحديثة والطائرات المسيّرة، مع إسناد أمني أمريكي لضمان سلامة الخط.
تراهن سوريا على أن تحول أزمة هرمز موقعها من عبء إلى أصل إستراتيجي، وأن تصبح جسرا للطاقة والتجارة بين الخليج والبحر المتوسط وأوروبا. غير أن نجاح الرهان سيعتمد على قدرتها على توفير الأمن والتمويل والبنية التحتية، وعلى استمرار اضطراب المسارات المنافسة.
لا تتوقف الرؤية السورية عند قطاع الطاقة؛ حيث وقّعت دمشق اتفاقات مع تركيا والسعودية لإعادة تأهيل خطوط السكك الحديدية، بهدف ربط أوروبا بالبحر الأحمر عبر الأراضي السورية، مما قد يوفر بديلاً إستراتيجياً لقناة السويس وباب المندب. ورغم التحديات المتمثلة في تدمير البنية التحتية القديمة ونقص رؤوس الأموال، تصر السلطات السورية على أن البلاد تمتلك الخبرات البشرية اللازمة، بانتظار تدفق الاستثمارات الدولية لإعادة إحياء هذا الدور التاريخي للموقع السوري.