2026/09/08
أكثر من مجرد غذاء: كيف صاغ رغيف الخبز مسارات الحضارة الإنسانية؟

منذ فجر التاريخ، لم يكن الخبز مجرد طعام يسد الرمق، بل كان رمزاً للحياة، ورفيقاً للمجاعات، وحاضراً في الأساطير والأديان. من هذا الإرث الإنساني العميق، ينسج الكاتب الكرواتي الراحل بريدراغ ماتفليجيفيتش (1932-2017) في كتابه الخبز: الأهمية الثقافية والرمزية لدى حضارات العالم المختلفة سيرة حضارية وتاريخية للرغيف، متتبعاً أثره عبر العصور.

هل الجسد والخبز صديقان؟

يكشف الكتاب أن الجسد والخبز تربطهما لغة خفية؛ فالرغيف لا يكتفي بسد الجوع، بل يوقظ الحواس. وتلعب رائحة الخبز الطازج دوراً محورياً في استحضار ذكريات الطفولة، بينما يشكل الملمس -من هشاشة القشرة إلى طراوة القلب- جزءاً من علاقتنا اليومية بكسرة الخبز.

لقد أحاطت المجتمعات الخبز بطقوس قدسية؛ ففي المشرق والمغرب العربي وجزيرتي كريت وقبرص، وُضعت قواعد صارمة لنظافة العاجنين، كما سادت عادة تقبيل كسرة الخبز في حال سقوطها احتراماً لها، وهي طقوس تعكس المكانة الروحية للرغيف. وكما يبيّن ماتفليجيفيتش، كان الخبز نتاجاً للطبيعة والثقافة معاً، وشرطاً للسلام أو سبباً للحروب.

من جلجامش إلى الأوديسة

يرفض المؤلف مقولة لا يمكن للمرء أن يعيش على الخبز وحده، مؤكداً أن الأمن الغذائي كان دائماً محركاً للتاريخ. وتستشهد النصوص القديمة، مثل ملحمة جلجامش، بآثار الجفاف والمجاعات التي عصفت بالحضارات القديمة. وفي الإلياذة والأوديسة، كان الخبز علامة فارقة في الهوية؛ إذ ميز بين الشعوب آكلة الخبز والآخرين، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذا المكون في الحياة اليومية منذ الأزل.

الخبز في الأدب: رمز الكرامة والحنين

لم يتوقف حضور الخبز عند الملاحم، بل امتد ليكون بطلاً في الأدب المعاصر. ويبرز الشاعر محمود درويش هذا الارتباط الوجداني في قصيدته الشهيرة:

كذلك استلهم روائيون عرب هذا الرمز، مثل محمد النعاس في خبز على طاولة الخال ميلاد، ومحمد شكري في الخبز الحافي، حيث تحول الرغيف إلى تجسيد لصراعات الإنسان مع الفقر والكرامة.

للرغيف حكاية: أقدم من الكتابة

يرى الكاتب أن الخبز أقدم من الكتابة نفسها؛ إذ وُجدت أسماؤه منقوشة على ألواح طينية بائدة. وتتعدد طقوسه، من خبز الموتى اليابس، إلى عادة قضم طرف الرغيف قبل الوصول للمنزل، والتي تُعرف في ليبيا بـالخشم.

إن قصص الخبز مبعثرة كالحبوب عبر الزمان والمكان، عبر البلدان والشعوب في حياتهم اليومية والخلود. وفي بعض المجتمعات أدى نقص الخبز إلى التشكيك في كفاءة الحاكم وسمعته.

يختتم ماتفليجيفيتش كتابه بالتذكير بأن تاريخ الحضارات يمكن قراءته من خلال رغيف خبز، تاركاً القارئ أمام سؤال فلسفي حول دور الأدب والسياسة في ضمان توفر هذا الحق الإنساني الأساسي لكل فرد.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news42285.html