
يعملون بدوام كامل، لكنهم يتظاهرون بالعمل فحسب؛ ينقرون على لوحات المفاتيح، يتجولون حاملين الأوراق، ويردّون ببطء على الرسائل غير العاجلة ليُظهروا انشغالهم، بينما يضعون سماعات الأذن للانعزال عن بيئة العمل. هذه الممارسات، التي باتت ظاهرة ملحوظة، تثير تساؤلات جوهرية حول التحولات في ثقافة العمل لدى جيل زد.
تشير بيانات حديثة صادرة عن منصة سوفتوير فايندر (Software Finder) إلى أن التظاهر بالعمل دون إنتاج حقيقي هو اعتراف مشترك بين الموظفين والمديرين، حيث يمثل أبناء جيل زد (ممن هم دون سن 28 عاماً) نحو 80% من هؤلاء المتظاهرين بالانشغال. ولا يقتصر الأمر على ساعات الدوام، بل يمتد ليشمل البقاء على اتصال بالإنترنت لساعات إضافية دون مبرر مهني.
تأتي هذه السلوكيات امتداداً لمفهوم الاستقالة الهادئة (Quiet Quitting)، حيث يعطي هذا الجيل الأولوية لجودة الحياة والتوازن النفسي على حساب الولاء المطلق للوظيفة. ووفقاً لبيانات شركة روندستاد (Randstad)، يبلغ متوسط بقاء الموظف من هذا الجيل في الوظيفة الواحدة سنة واحدة فقط، مما يضع أرباب العمل أمام تحديات إدارية جديدة.
خلافاً للافتراضات الشائعة، لا يعود السبب إلى الكسل، بل إلى حالة من الاحتراق النفسي والإرهاق المهني. فقد أوضح الموظفون في دراسة سوفتوير فايندر أن بيئة العمل التي تقيس النجاح بـ التواجد وليس بـ الإنجاز هي المحرك الأساسي لهذا السلوك. ويشعر نحو 53% من الموظفين بأنهم مجبرون على التظاهر بالانشغال، بينما تصل هذه النسبة إلى 41% بين العاملين عن بُعد.
كما لعبت برامج المراقبة الرقمية دوراً عكسياً؛ فبدلاً من تعزيز الإنتاجية، زادت من مستويات التوتر، مما دفع الموظفين لإبطاء وتيرة إنجاز مهامهم لتجنب تكليفهم بأعباء إضافية. اللافت للنظر هو اعتراف 24% من المديرين بعلمهم بهذه الممارسات وتجاهلهم لها، مما يعكس خللاً أعمق في منظومة الإدارة.
تشير أرقام منصتي آي سولفد (iSolved) وتوكر ريسيرش (Talker Research) إلى أن ثلث العاملين من جيل زد يعانون من الاحتراق المهني، وهي نسبة تتجاوز الأجيال الأخرى. ومع ذلك، يؤكد خبراء أن السلوك البشري في جوهره لا يتغير، وأن الفجوة بين الأجيال في سوق العمل تتطلب حواراً حقيقياً بدلاً من إطلاق الأحكام المسبقة، خاصة وأن نسبة الساعين لتغيير وظائفهم بين جيل الألفية تقترب كثيراً من نسبة جيل زد (70% مقابل 73%).