
في تحذير هو الأشد من نوعه، كشف كارل سكاو، القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، عن واقع كارثي يعيشه السودان، مؤكداً أن البلاد تواجه أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم، وسط تجاهل دولي ونقص حاد في التمويل يهدد بوقف المساعدات الحيوية عن ملايين المتضررين.
أمام معادلة قاسية، يواجه برنامج الأغذية العالمي عجزاً مالياً حاداً؛ حيث انخفض تمويل عملياته في السودان من 645 مليون دولار العام الماضي إلى 206 ملايين دولار فقط هذا العام، بينما الاحتياجات في تصاعد مستمر. يعاني نحو 20 مليون سوداني من الجوع الحاد، منهم 5 ملايين على حافة المجاعة، بينما يواجه 200 ألف شخص ظروفاً كارثية.
ويحذر سكاو من أن البرنامج قد يضطر لتقليص عملياته بشكل أكبر، مما يعني خياراً مفجعاً بين تقليل عدد المستفيدين أو خفض الحصص الغذائية، في بلد يعتمد فيه النازحون حالياً على نصف حصة فقط لا تكفي احتياجاتهم الأساسية.
تُعد منطقة طويلة في شمال دارفور تجسيداً للفجوة الهائلة؛ حيث تضخم عدد السكان ليصل إلى نحو مليون نسمة، بينما لا يغطي الدعم المقدم سوى نصف الحصة الغذائية التي يفترض أن تكفي لأسبوعين فقط. وفي الفاشر، تبدو الصورة أكثر قتامة؛ فبعد أن كانت مدينة مليونية، لم يتبقَ فيها سوى عشرات الآلاف وسط دمار شامل يطال الأسواق والمنازل، وتعتمد فيها الأسر كلياً على نقاط توزيع البرنامج التي باتت الملاذ الأخير للبقاء.
كشفت رحلة المسؤول الأممي عن صعوبات لوجستية بالغة؛ إذ تحولت رحلة كانت تستغرق 6 ساعات قبل الحرب إلى 3 أيام من التنقل عبر مسارات وعرة وخطيرة. إن غياب الطرق الآمنة والقيود على العبور بين خطوط القتال يرفع تكاليف إيصال الغذاء ويستهلك جزءاً كبيراً من التمويل المحدود في عمليات النقل بدلاً من الإغاثة.
تتزامن الأزمة الإنسانية مع موسم زراعي مهدد بالجفاف، وهو الأسوأ منذ عام 1984 وفقاً لشهادات السكان. يهدد ضعف الأمطار المحاصيل والمراعي، مما يعني فقدان السكان لأدواتهم الأخيرة في مقاومة الجوع، ويضيف عبئاً إضافياً مع اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية التي ترفع أسعار الغذاء بشكل جنوني.
من جانبها، أطلقت إيمي بوب، المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، تحذيراً مماثلاً، مشيرة إلى أن المنظومة الإنسانية بأكملها قد تنهار خلال أسابيع. وأوضحت أن مخزون مواد الإيواء والمياه والصرف الصحي قد ينفد بنهاية سبتمبر الجاري، مما يهدد بنزوح أكبر وتفشٍ للأوبئة بين 8.6 مليون نازح.
يؤكد الخبراء أن التمويل العاجل وحده قد يمنع الانهيار الوشيك، لكن الحل الجذري يظل رهناً بوقف الحرب وتأمين الممرات الإنسانية، إذ لم يعد الوقت يُقاس بالشهور، بل بأسابيع تفصل الملايين عن فقدان آخر خيوط الأمل في البقاء.