
نجح فريق بحثي بقيادة أستاذ بيولوجيا الخلية والتطور بجامعة إلينوي، بوكسوان تشاو، في تطوير تقنية غير مسبوقة لرسم خرائط الاتصال العصبي في الدماغ، متجاوزين بذلك عقوداً من التعقيد والبطء في الأساليب التقليدية التي كانت تعتمد على تقطيع أنسجة الدماغ وتصويرها مجهرياً شريحة تلو الأخرى.
تعتمد التقنية الجديدة، التي أُطلق عليها اسم كونيكتوم-سيك (Connectome-seq)، على وسم الخلايا العصبية بـ باركودات جزيئية فريدة من الحمض النووي الريبوزي (RNA). وتعمل هذه الرموز كبصمة تعريفية لكل خلية، مما يسمح بتحويل عملية رسم الخرائط من مهمة تصوير مجهري شاقة إلى عملية تحليل بيانات سريعة تعتمد على تقنيات تسلسل الجينات.
يشرح الباحثون آلية عمل هذه التقنية من خلال تشبيه الخلايا العصبية ببالونات تحمل علامات تعريفية عند أطرافها. فعندما ترتبط خليتان عبر المشبك العصبي، تلتقي هذه الباركودات في نقطة الاتصال، مما يتيح للعلماء قراءتها وتحليلها باستخدام تقنيات التسلسل عالي الإنتاجية. هذه الطريقة تتيح تتبع الاتصالات العصبية بدقة متناهية، مع تقليل حجم البيانات الضخمة التي كان يتطلبها المجهر الإلكتروني من بيتابايت إلى غيغابايت فقط.

عند تطبيق كونيكتوم-سيك على الفئران، كشف الفريق عن أنماط اتصال غير معروفة سابقاً في الدائرة الجسرية-المخيخية، حيث تم تحديد روابط مباشرة بين أنواع من الخلايا العصبية لم يُعتقد سابقاً أنها تتصل ببعضها في دماغ البالغين. ولا تكتفي هذه التقنية بالإجابة عن من يتصل بمن، بل تفتح آفاقاً لفهم كيف ولماذا يحدث هذا الاتصال من خلال الربط بين الروابط العصبية والملف الجيني لكل خلية.
تمثل هذه التقنية بارقة أمل في أبحاث الأمراض العصبية التنكسية مثل ألزهايمر، والاضطرابات النفسية كالفصام والتوحد. فبفضل سرعتها، يمكن للعلماء مقارنة شبكات الدماغ السليمة بتلك المصابة، وتحديد التغيرات البنيوية المبكرة قبل ظهور الأعراض السريرية. كما يرى الباحثون إمكانية تطبيق هذه المنهجية على عضيات دماغية مشتقة من خلايا المرضى أنفسهم، مما يمهد الطريق لطب عصبي دقيق ومخصص لكل حالة على حدة.