
انطلقت في المغرب الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر، حيث تتنافس 27 حزباً سياسياً على 395 مقعداً في مجلس النواب. ويترقب أكثر من 15.8 مليون ناخب مسجل هذا الاستحقاق الذي سيرسم ملامح البرلمان القادم ويضع اللبنات الأساسية لتشكيل الحكومة المقبلة.
تتجاوز هذه الانتخابات مجرد التنافس الحزبي التقليدي، لتطرح تساؤلات جوهرية حول مدى ثقة المواطنين في قدرة النظام السياسي على معالجة الأزمات اليومية، وهو تحدٍ يبرز بوضوح لدى فئة الشباب، حيث أظهرت مسوحات أفروباروميتر أن ثلث المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً فقط يعبرون عن ثقتهم في المؤسسات البرلمانية والحكومية.
تجري العملية الانتخابية في إطار الدستور المغربي لعام 2011، الذي يحدد نظام المملكة كملكية دستورية ديمقراطية برلمانية اجتماعية، مع الحفاظ على الدور المؤسساتي المحوري للملك. وبموجب المادة 47، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر الانتخابات، مما يجعل النتائج البرلمانية حاسمة في تشكيل الحكومة، رغم أن توزيع السلطة السياسية يظل محكوماً بتوازنات دستورية دقيقة.
تفرض التركيبة العمرية للناخبين تحديات خاصة، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى ثقل كفة الناخبين من الفئات العمرية الأكبر سناً. وفي المقابل، يواجه الشباب أزمة توظيف حادة؛ إذ تقدر بيانات صندوق النقد الدولي معدل البطالة بين الشباب (15-24 عاماً) بنحو 37.3 بالمئة خلال عام 2025، مما يجعل وعود الأحزاب حول النمو وفرص العمل مقياساً حقيقياً للمصداقية السياسية.
وقد انعكست هذه الضغوط الاقتصادية في أحداث اجتماعية متفرقة، مثل تدفقات المهاجرين في سبتة، والتي يرى محللون أنها تعبير عن تقاطع التطلعات الاقتصادية مع الإحباط الاجتماعي، مما يضع الأحزاب أمام مسؤولية تقديم حلول هيكلية تتجاوز الوعود الانتخابية قصيرة المدى.
تتمحور برامج أحزاب التحالف الحكومي الحالي (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، والاستقلال) حول وعود اقتصادية طموحة، تشمل خلق مليون فرصة عمل، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتحسين الخدمات العامة. وفي المقابل، يسعى حزب العدالة والتنمية (PJD) للعودة إلى الواجهة السياسية عبر برنامج يركز على إصلاحات مؤسساتية واجتماعية، في محاولة لاستعادة قاعدته الانتخابية بعد تراجعه في انتخابات 2021.
تظل المعضلة الأساسية التي تواجه الحكومة المقبلة هي ترجمة مؤشرات النمو الاقتصادي -التي قدرت بنحو 4.9 بالمئة في 2025- إلى فرص عمل حقيقية وملموسة. ويؤكد الخبراء الاقتصاديون أن المشكلات الهيكلية في المغرب تتطلب حلولاً تتجاوز الوعود الموسمية، مما يجعل هذه الانتخابات اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الأحزاب على خلق اتصال سياسي فعال مع تطلعات المواطنين اليومية.