
انتقل سباق الذكاء الاصطناعي من أروقة المختبرات في وادي السيليكون إلى قلب المجتمعات المحلية، حيث باتت مراكز البيانات الضخمة تستهلك موارد هائلة من الكهرباء والمياه والأراضي. وبينما كانت الوعود بفرص العمل والاستثمارات هي المحرك الأساسي للقبول بهذه المشاريع، تصاعدت حدة الاحتجاجات الشعبية، لتجد نفسها فجأة وسط صراع جيوسياسي محتدم بين الولايات المتحدة والصين.
بدأ الجدل يتخذ منحىً سياسياً عندما أعلنت منصة إكس عن رصد نحو 200 حساب زعمت ارتباطها بالصين، متهمة إياها بنشر رسائل معادية لمراكز البيانات. هذه الرواية تبناها سياسيون، بمن فيهم الرئيس دونالد ترمب، الذي حذر من استغلال بكين لهذه الاحتجاجات لعرقلة التفوق التقني الأمريكي.
تشير التحليلات التقنية وشركات الرصد مثل غرافيكا إلى أن المعارضة لمراكز البيانات نابعة أساساً من مخاوف داخلية أمريكية مشروعة، وليست صنيعة خارجية. ويوضح دارن لينفيل، أستاذ الاتصال في جامعة كليمسون، أن الأدلة لا تدعم فرضية التأثير الصيني، ويصف تلك الحسابات بأنها كانت تصرخ في الفراغ دون أن تترك أثراً حقيقياً في الرأي العام الأمريكي.
ويرى مراقبون أن ربط الاحتجاجات المحلية بالتدخل الصيني قد يكون وسيلة مريحة لصناعة التكنولوجيا للتهرب من المساءلة حول التكاليف البيئية والاجتماعية لتوسعها. يقول سامويل وولي، الباحث في التكنولوجيا الناشئة، إن الجهات الأجنبية قد تحاول استغلال التوترات القائمة بالفعل، لكن هذا لا يعني أنها هي من أوجد تلك التوترات، داعياً إلى التعامل بحذر مع المزاعم التي تروجها شركات التكنولوجيا الكبرى التي تعد المستفيد الأول من هذه المشاريع.
تؤكد الأرقام أن رفض مراكز البيانات ليس ظاهرة رقمية عابرة، بل قضية مجتمعية واسعة. فقد أظهر استطلاع أجرته رويترز/إبسوس أن 64% من الأمريكيين يعارضون التوسع السريع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، مما يعكس عمق الأزمة التي تتجاوز بكثير أي بروباغندا خارجية.
في الختام، يظل السؤال الجوهري: هل أصبحت ورقة الأمن القومي وسيلة لإسكات المطالب المحلية؟ إن حصر النقاش في إطار المنافسة مع الصين قد يغيب الأسئلة الحقيقية عن كلفة الموارد والبيئة، ويحول دون الوصول إلى حلول توازن بين التقدم التقني وحقوق المجتمعات المحلية.