
تدخل التجارة البحرية العالمية مرحلة مفصلية تتداخل فيها المخاطر الجيوسياسية مع هشاشة سلاسل الإمداد، حيث أدت الاضطرابات في مضيق هرمز وباب المندب، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على البحر الأسود، إلى إعادة صياغة حسابات شركات النقل البحري ومسارات السفن. ومع تحول جزء كبير من الحركة التجارية نحو طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، لم تعد جغرافية الموانئ مجرد موقع، بل أصبحت عنصراً حيوياً في معادلة الأمن الاقتصادي العالمي.
وفي قلب هذا التحول، تبرز القارة الأفريقية بواجهاتها البحرية المتعددة، مستثمرة في تطوير الأرصفة وخدمات إعادة الشحن والمناطق اللوجستية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة القارة على تحويل هذا الزخم الاستثنائي إلى شبكة دائمة من المراكز التجارية.
تؤكد منظمة أونكتاد أن النقل البحري ينقل أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية للسلع، مما يجعل أي اضطراب في الممرات الرئيسية ذا انعكاسات مباشرة على التضخم والأمن الغذائي والطاقة. وقد دفعت اضطرابات البحر الأحمر شركات الشحن لتحويل مساراتها، مما أضاف نحو 12 يوماً إلى رحلة السفن بين آسيا وأوروبا، وزاد من استهلاك الوقود وتكاليف التأمين.
وكان الأثر مباشراً على الموانئ الأفريقية، حيث ارتفعت معدلات وصول سفن الحاويات إلى موانئ جنوب أفريقيا بنسبة 328% في مطلع عام 2024، مما أدى إلى ضغوط وازدحام كشف عن محدودية القدرة الاستيعابية لبعض المنشآت.
يشير خبراء الاقتصاد إلى أن مجرد مرور السفن بمحاذاة السواحل الأفريقية لا يعني مكاسب تلقائية، بل يتطلب توفير خدمات لوجستية ومرافق صيانة وتخزين. وفي هذا السياق، يوضح المحلل الاقتصادي إدريس العيساوي أن الأزمة هي أزمة مسارات وسعة وليست مجرد أزمة موانئ، مؤكداً أن الموانئ الأفريقية لا يمكنها حالياً تشكيل بديل كامل لممرات حيوية مثل هرمز أو قناة السويس.
من جانبه، يحذر بدر الزاهر الأزرق، الباحث في الاقتصاد الأزرق، من قراءة الظرف الراهن كمكسب آلي، مشيراً إلى أن شركات الملاحة ستعود بعد انحسار الأزمات للمفاضلة بناءً على الأسعار، جودة الخدمات، والرقمنة.
لا يكمن الرهان الأفريقي في تنافس الموانئ مع بعضها، بل في تكاملها. وتبرز نماذج مثل ميناء طنجة المتوسط في المغرب كنموذج رائد يجمع بين إعادة الشحن، الصناعة، والخدمات اللوجستية. وتتكامل هذه الرؤية مع خطط تطوير موانئ أخرى مثل ديربان في جنوب أفريقيا، وميناء ندايان في السنغال، وميناء جيبوتي.
إن استدامة هذا التحول تتطلب استثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية، الرقمنة، وتسهيل الإجراءات الجمركية، بالإضافة إلى ربط الموانئ بالأسواق الداخلية عبر شبكات طرق وسكك حديدية متطورة. وإذا نجحت أفريقيا في بناء هذه المنظومة المتكاملة، فقد تتحول الأزمات البحرية الحالية من مصدر للاضطراب إلى عامل مسرّع لإعادة تموضع القارة في قلب التجارة العالمية.