
بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع أكبر موجة تضخم شهدها الاقتصاد العالمي منذ عقود، يبدو أن المشهد الاقتصادي بات أكثر تعقيداً مما كان عليه في عامي 2022 و2023. فبينما نجحت البنوك المركزية في كبح جماح التضخم الناجم عن الطلب عبر رفع أسعار الفائدة بقوة، يشير الاقتصاديون اليوم إلى تحول جذري في طبيعة الأزمة، حيث أصبحت الضغوط التضخمية مرتبطة بعوامل هيكلية عميقة في جانب العرض، لا تملك السياسات النقدية التقليدية أدوات كافية لمواجهتها.
لفهم أزمة اليوم، يجب التمييز بين نوعين من الضغوط التضخمية:
لقد كانت مرحلة ما بعد جائحة كورونا درساً قاسياً؛ حيث تضافر الدعم المالي الضخم الذي عزز الطلب مع صدمات العرض الناتجة عن أزمة أوكرانيا وتوترات الشرق الأوسط، مما جعل السيطرة على الأسعار مهمة بالغة الصعوبة.
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن مسار تراجع التضخم العالمي الذي بدأ في 2024 قد تباطأ خلال 2026، مع توقعات بارتفاعه إلى 4.7 بالمئة هذا العام. وفي السياق ذاته، حذر البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من أن اضطرابات أسواق الطاقة وسلاسل التوريد ستجبر البنوك المركزية على الإبقاء على سياسات نقدية مقيدة لفترة أطول مما كانت تتوقعه الأسواق سابقاً.
يرى خبراء بنك التسويات الدولية (BIS) أن العالم دخل مرحلة جديدة تتسم بضغوط عرض مزمنة، مدفوعة بعدة عوامل هيكلية:
هذه العوامل تجعل التضخم أكثر تقلباً ومقاومة للرفع التقليدي لأسعار الفائدة.
إن المعركة ضد التضخم لم تُحسم بعد، والرهان على أسعار الفائدة وحدها لم يعد كافياً. تشير التقارير الدولية إلى أن السيطرة المستدامة على الأسعار تتطلب اليوم مزيجاً متوازناً من السياسة النقدية، والانضباط المالي، والاستثمارات الاستراتيجية التي تعزز مرونة سلاسل الإمداد، بدلاً من الاعتماد الكلي على أدوات لم تعد قادرة بمفردها على معالجة صدمات العرض المتكررة.