2026/09/18
معضلة طهران الاستراتيجية: هل تقوض أوراق الضغط الإقليمية طموحات الانفتاح الدبلوماسي؟

منذ أكثر من عامين، بدا الاتفاق الذي رعته بكين عام 2023 بين السعودية وإيران وكأنه يمثل تحولاً جذرياً في سياسات منطقة الخليج، من مسار المواجهة المفتوحة نحو التعايش المدار. لم يكن الهدف من الاتفاق إنهاء التنافس الاستراتيجي، بل خلق مساحة سياسية تسمح بإدارة هذا التنافس دون الانزلاق المستمر نحو تصعيد إقليمي مباشر. غير أن هذه المساحة تعرضت لضغوط حادة مؤخراً، مع تزايد وتيرة الهجمات التي تستهدف العمق السعودي وتأجيل المحادثات الدبلوماسية في سلطنة عمان، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل يمكن لإيران الحفاظ على علاقات دبلوماسية مستقرة مع جيرانها الخليجيين بينما تستمر في استخدام شبكة إقليمية قادرة على تهديد أمنهم بشكل مباشر؟

تصعيد عابر للحدود: اليمن كساحة ضغط

تمثل الهجمات الأخيرة تحولاً نوعياً في مسار الصراع في اليمن، إذ انتقلت العمليات العسكرية التي كانت محصورة داخل الحدود اليمنية لتطال الأراضي السعودية، مما أدخل تبعات الحرب مباشرة في صلب البيئة الأمنية الخليجية. ففي 8 سبتمبر، شن الحوثيون موجة من الهجمات المنسقة بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية استهدفت مدناً ومواقع استراتيجية مثل أبها، خميس مشيط، جيزان ونجران.

ولا تكمن خطورة هذا التصعيد في كثافته فحسب، بل في توقيته وجغرافيته؛ حيث تزامن مع معارك محتدمة حول باب المندب، أحد أهم الممرات الملاحية في العالم. هذا الربط بين السيطرة على الجغرافيا الاستراتيجية والقدرة على إبراز القوة خارج الحدود اليمنية، يؤكد أن الصراع لم يعد مجرد نزاع محلي، بل أداة ضغط في صراع إقليمي أوسع.

تداخل المسارات: من هرمز إلى باب المندب

تكتسب هذه التطورات أهميتها من تقاطع مسرحين بحريين لطالما تم تحليلهما بشكل منفصل: مضيق هرمز كبوابة شرقية، وباب المندب كبوابة غربية للخليج نحو البحر الأحمر. إن فرض ضغوط متزامنة في كلا الممرين يخلق جغرافيا ضغط واسعة النطاق، تجعل من الصعب على الدول الإقليمية عزل علاقاتها الدبلوماسية عن التهديدات الأمنية المباشرة.

تآكل الدبلوماسية: حين يسبق التصعيدُ الحوارَ

أدى تعثر المحادثات التي كان من المقرر استضافتها في صلالة بسلطنة عمان إلى كشف هشاشة المسار الدبلوماسي أمام التطورات الميدانية. كان الهدف من هذه المحادثات وضع تدابير عملية لأمن الملاحة، إلا أن الواقع الأمني فرض نفسه، حيث وجدت دول الخليج تناقضاً سياسياً في محاورة طهران بينما تتعرض لهجمات من أطراف تدور في فلكها.

إن هذا النمط من التصعيد يضع الفرضية التي قام عليها التقارب السعودي الإيراني تحت الاختبار؛ فالثقة الاستراتيجية لا يمكن بناؤها في ظل دورات مستمرة من التصعيد. وبالنسبة لإيران، فإن الاعتماد على أوراق الضغط الإقليمية لتحقيق مكاسب تكتيكية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تدفع هذه الضغوط دول الخليج نحو تعميق شراكاتها الأمنية الخارجية وتنسيق دفاعاتها بشكل أكبر، وهو ما تسعى طهران أصلاً لتجنبه.

خاتمة: تكلفة النفوذ

تظل المعضلة الإيرانية قائمة: هل يمكن الجمع بين استراتيجية تعظيم النفوذ عبر التصعيد وبين الهدف طويل الأمد المتمثل في استقرار العلاقات مع الجيران؟ إن تكرار دورات التصعيد يعطل بناء التوقعات الإيجابية اللازمة لاستدامة أي اتفاق. وفي نهاية المطاف، فإن تكلفة هذا النفوذ تكمن في أن المكاسب التكتيكية قصيرة المدى قد تبدأ في تقويض العلاقات الاستراتيجية الضرورية للاستقرار الإقليمي، مما يضع طهران أمام تحدي التوفيق بين شبكات نفوذها وبين النظام الإقليمي الذي تدعي الرغبة في بنائه.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news44277.html