
حين ننظر إلى الشاطئ، لا تقتصر رؤيتنا على الرمال والمياه، بل يدرك دماغنا فوراً إمكانات الحركة في هذا المكان، مثل السباحة أو بناء القصور الرملية. هذه القدرة التي تُعرف بـ إمكانات الفعل (Affordances)، والتي طرحها عالم النفس جيمس جيبسون، تمثل الفجوة العميقة التي تفصل بين الإدراك البشري والذكاء الاصطناعي.
كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية بي إن إيه إس أن الدماغ البشري لا يكتفي بتصنيف العناصر البصرية، بل يبني خرائط حركية تلقائية تتيح لنا التفاعل مع البيئة المحيطة دون وعي مسبق. وقد استخدم الباحثون في هذه الدراسة تقنيات الرنين المغناطيسي الوظيفي لمراقبة نشاط الدماغ أثناء عرض صور لمشاهد طبيعية وصناعية متنوعة.
أظهرت النتائج أن مناطق محددة في الدماغ، وتحديداً في المنطقة المجاورة للحُصين والمنطقة القفوية البصرية، تنشط بناءً على فرص الفعل المتاحة في المشهد، وليس بناءً على محتواه المادي فقط. وتوضح مي مبروك، أستاذة المعلوماتية الطبية الحيوية بجامعة النيل المصرية، أن هذه العملية العصبية متميزة تماماً عن مجرد التعرف على الأشياء، حيث يُشتق من المشهد إمكانية الحركة الفعلية فيه، مما يدعم وظيفة الإدراك الموجه نحو العمل.
عند مقارنة استجابات الدماغ بنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، تبين أن الأخيرة تفتقر إلى ما يسمى بـ التجربة المجسدة. فرغم براعة الخوارزميات في تصنيف الصور والتعرف على العناصر، إلا أنها لا تملك جسداً يتفاعل مع البيئة، وهو ما يجعل تمثيلها للعالم مجرداً من الوظيفة الحركية.
تؤكد مبروك أن تقليص هذه الفجوة يتطلب تحولاً في كيفية تدريب الذكاء الاصطناعي، بحيث ينتقل من تسمية الأشياء إلى التعلم المجسد من خلال الفعل في بيئات حقيقية، وهو ما نراه في أبحاث الروبوتات المتنقلة.
تفتح هذه النتائج آفاقاً واسعة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا سيما في مجالات السيارات ذاتية القيادة التي تحتاج إلى التنبؤ بسلوك المشاة، وتطوير بيئات الواقع الافتراضي الأكثر واقعية. إن الإدراك البشري، كما أثبتت الدراسة، ليس عملية بصرية بحتة، بل هو تجربة حركية متكاملة، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان مستقبل الذكاء الاصطناعي مرهوناً بقدرته على التجسد والتفاعل الحسي مع العالم.