
بعد مرور ثلاث سنوات على بدء انسحاب بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من مالي، يشهد حضور المنظمة الدولية في منطقة الساحل تحولاً جوهرياً؛ إذ تراجع دورها من قوة عسكرية ميدانية إلى حضور دبلوماسي وسياسي، يركز على العمل الإنساني والتنموي، في وقت تعيد فيه الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر صياغة علاقاتها الدولية تحت شعار السيادة الوطنية.
بدأت هذه التحولات مع إنهاء ولاية بعثة مينوسما في يونيو/حزيران 2023 بطلب من السلطات الانتقالية في باماكو، تلا ذلك خروج الدول الثلاث من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وتأسيس تحالف دول الساحل كإطار إقليمي جديد يضع الاستقلال الاستراتيجي في صدارة أولوياته.

يرى مراقبون أن نفوذ الأمم المتحدة يواجه قيوداً متزايدة؛ حيث عمدت دول التحالف إلى تقليص أدوات الضغط الخارجي، بما في ذلك الانسحاب من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، معتبرة إياها أداة لا تخدم سيادتها. وفي هذا السياق، برز الفيلق الأفريقي الروسي كفاعل أساسي قدم دعماً أمنياً للحكومات العسكرية، متجاوزاً الدور التقليدي الذي كانت تلعبه البعثات الدولية.
كما يمتد التحدي إلى أروقة مجلس الأمن الدولي، حيث تستخدم روسيا حق النقض (الفيتو) لعرقلة قرارات أممية كانت تهدف سابقاً إلى فرض عقوبات أو مراقبة الانتهاكات في المنطقة، مما يعكس تحولاً في موازين القوى الدولية داخل الساحل.

ورغم التغييرات السياسية والعسكرية، لا تزال المنطقة تواجه تحديات أمنية وغذائية حادة. وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن ملايين الأشخاص في مالي وبوركينا فاسو والنيجر يواجهون مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي، خاصة في مواسم الجدب.
وفي ظل تمديد ولاية مكتب الأمم المتحدة لغرب أفريقيا والساحل (يونواس) حتى عام 2029، تتزايد الدعوات لتبني إستراتيجيات أممية أكثر مرونة، تعتمد على الوساطة الوقائية ومعالجة جذور النزاعات بدلاً من الحلول العسكرية التقليدية، مع التركيز على تعزيز التعاون بين دول الساحل وجيرانها في غرب أفريقيا لتحقيق استقرار مستدام.