
لم تكن المظاهر الاحتفالية التي رافقت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة، من استعراضات عسكرية إلى بروتوكولات دبلوماسية، سوى واجهة لما هو أعمق. فبالنسبة لدول الجنوب العالمي، من الرياض إلى نيودلهي وجاكرتا، حملت القمة دلالات استراتيجية حول كيفية إدارة العلاقات مع القوتين العظميين خلال العقد الحالي.
تتجلى الفجوة في المقاربات بوضوح في منطقة الخليج. فبينما تضغط واشنطن -الطرف المباشر في النزاع الإقليمي- على حلفائها وتطالبهم باختيار معسكراتهم، تتبنى بكين استراتيجية الاستقرار الاستراتيجي البنّاء.
تستفيد الصين من كونها لا تخوض الحروب التي تنخرط فيها الولايات المتحدة؛ فهي قادرة على التواصل مع طهران، والدعوة لوقف إطلاق النار، أو تقديم وساطة دبلوماسية دون الحاجة لنشر قوات عسكرية أو مطالبة بإنشاء قواعد. هذا التباين جعل عواصم الخليج تعيد معايرة سياساتها: الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية للعتاد، مع التحوط عبر بكين لإدارة الأزمات الدبلوماسية واستقرار أسواق الطاقة.
تواجه دول الجنوب العالمي تحديات متزايدة في ظل ضغوط واشنطن لفك الارتباط مع الصين، مقابل استمرار الأخيرة في توسيع نفوذها. والنتيجة هي تزايد الشعور بأن دول العالم تُدفع لتحمل تكاليف المنافسة بين القوى العظمى، بينما تحتفظ واشنطن وبكين بمرونة التفاوض المباشر.
وقد بدأت الاستجابة لهذا الواقع تظهر بوضوح:
يمثل الذكاء الاصطناعي تحدياً وجودياً للجنوب العالمي؛ فكلا النموذجين -الأمريكي الذي تقوده الشركات، والصيني الذي تقوده الدولة- لا يضع مصالح الدول النامية في جوهره. ومع غياب قواعد ملزمة، تظل العديد من الدول رهينة للبنية التحتية والمعايير الخارجية.
رغم ذلك، لم تقف دول الجنوب مكتوفة الأيدي:
تجاوزت مخرجات القمة الصور البروتوكولية؛ حيث نجحت بكين في انتزاع اعتراف بالشروط التي تريد من خلالها إدارة علاقتها بواشنطن. أما بالنسبة لدول الجنوب العالمي، فقد أكدت القمة ضرورة المضي قدماً في سياسة عدم الانحياز، واستغلال مساحات التنافس بين القوتين لتعزيز النفوذ الوطني وحماية المصالح الذاتية، وضمان ألا تأتي الصفقات المستقبلية بين العملاقين على حساب بقية العالم.