
يواجه الشباب الفلسطيني في القدس المحتلة أزمة سكن خانقة تضعهم أمام خيارات مريرة؛ فبين أسعار شقق فلكية تتجاوز 650 ألف دولار، وإيجارات تبتلع معظم دخل الأسرة، وقيود تعجيزية تفرضها سلطات الاحتلال على تراخيص البناء، بات الاستقرار الأسري والوجود داخل المدينة حلماً بعيد المنال.
تتجاوز هذه الأزمة البعد المادي لتصل إلى تهديد الوجود الفلسطيني في المدينة، حيث يضطر العديد من الشباب إلى الإقامة القسرية في منازل عائلاتهم، أو التفكير في الهجرة خارج حدود القدس، في ظل استمرار سياسات هدم المنازل بدعوى البناء دون ترخيص.
أزمة السكن تضيق الخناق على الأزواج الشباب في القدس، وسط ارتفاع قياسي في أسعار الشقق والإيجارات.. معاناة تتجاوز القدرة على تأمين منزل لتصل إلى التهجير خارج حدود المدينة المحتلة #رقمي pic.twitter.com/SFRHvloPrc
— الجزيرة – قدس (@Aljazeeraquds) September 25, 2026
يُجسد المقدسي مجاهد بدران (30 عاماً) نموذجاً لهذه المأساة؛ فبعد هدم منزله في مايو/أيار الماضي، بات يعيش مع زوجته وأطفاله الثلاثة في منزل والده. يقول بدران: أبحث منذ أشهر عن مسكن، لكن الإيجارات التي تتراوح بين 5 آلاف و8 آلاف شيكل شهرياً تفوق قدرتي المالية، خاصة مع دخلي الذي لا يتجاوز 10 آلاف شيكل.
ويشير بدران إلى أن شراء منزل جديد بات ضرباً من الخيال، حيث تصل أسعار الشقق في القدس إلى ما بين 820 ألفاً و900 ألف دولار. ويستذكر بمرارة تكاليف منزله السابق الذي هُدم، حيث خسر فيه أكثر من 114 ألف دولار كبناء، بالإضافة إلى 26 ألف دولار تكاليف وغرامات مخالفات البناء، والآن يواجه منزل والده أيضاً خطر الهدم، مما يضع عائلته أمام خيار التشرد أو الرحيل.
يرى الباحث في الشأن المقدسي راسم عبيدات أن الأزمة ليست فردية، بل هي نتاج سياسة ممنهجة. ويوضح أن الشاب المقدسي يصطدم بتكاليف باهظة للحصول على ترخيص بناء، وهي إجراءات قد تستغرق سنوات، بينما تظل أسعار الشقق المتاحة في نطاق 500 إلى 700 ألف دولار.
وتؤكد تقارير أممية هذه المعاناة، مشيرة إلى أن الفلسطينيين في القدس الشرقية يواجهون قيوداً شديدة على التخطيط والتطوير، حيث تم هدم نحو 170 منشأة فلسطينية منذ بداية عام 2026 وحتى أغسطس/آب. ويشير عبيدات إلى أن تصنيف الأراضي كـ مناطق خضراء أو مناطق مفتوحة يُعد أداة إضافية لتضييق الخناق، مما يدفع الشباب للبناء دون ترخيص، وهو ما يفتح الباب أمام الغرامات وخطر الهدم الدائم.
ويحذر عبيدات من أن هذه الضغوط ليست مجرد أزمة معيشية، بل هي وسيلة لدفع الشباب المقدسي نحو الهجرة خارج حدود المدينة، مما يغير التركيبة الديموغرافية ويفرغ القدس من سكانها الأصليين.