
لطالما مثّلت سفن الشحن شريان الحياة للمناطق النائية حول العالم، وبوابة فريدة للمسافرين الباحثين عن تجربة استثنائية بعيداً عن صخب السفن السياحية التقليدية. لكن هذا النمط من السفر، الذي كان يوماً ما خياراً متاحاً للمغامرين، بات اليوم تجربة نادرة للغاية.
ويشير آرني جودي، صاحب شركة Langsamreisen الألمانية المتخصصة في تنظيم الرحلات على متن سفن الشحن، إلى أن هذا القطاع تلقى ضربة قاصمة، قائلاً: لم تعد أي رحلة متاحة تقريباً منذ جائحة كوفيد-19.
تحديات ما بعد الجائحة
توقفت معظم الشركات الكبرى عن استقبال الركاب المدنيين، مدفوعةً بتحديات أمنية وصحية معقدة. فقد أصبحت متطلبات الأمن على متن السفن أكثر صرامة في ظل تصاعد مخاطر القرصنة والحروب في أعالي البحار، بالإضافة إلى الأعباء اللوجستية التي يفرضها وجود مدنيين على متن سفن مخصصة بالأساس للعمليات التشغيلية التجارية.
تؤكد تشيلسي بافونا غاردنر، المتحدثة باسم شركة Maersk Line الدنماركية العملاقة، هذا التوجه موضحة: نقل أشخاص من غير أفراد الطاقم يتطلب إجراءات سلامة ودعماً تشغيلياً إضافياً، وبما أن سفننا مخصصة للشحن، فإن سفر الركاب لم يعد خدمة نقدمها.
العصر الذهبي للسفر البحري
في النصف الأول من القرن العشرين، كانت سفن الشحن وسيلة نقل أساسية وأكثر اقتصادية للمسافرين. لم تكن هذه الرحلات توفر رفاهية الفنادق العائمة، لكنها كانت تمنح الركاب فرصة للاندماج مع طاقم السفينة، والاستمتاع بهدوء المحيط، والزيارات النادرة لغرف القيادة.
ويستذكر بين ماك، أحد المسافرين النيوزيلنديين، تجربته على متن سفينة Amerigo Vespucci قبل الجائحة، واصفاً إياها بأنها مريحة وملهمة، حيث بلغت تكلفة رحلة استغرقت ثمانية أيام بين ماليزيا وهونغ كونغ أقل من ألفي دولار أمريكي.
بصيص أمل: الاستدامة كحل بديل
رغم التراجع العام، برزت نماذج جديدة تحاول إحياء هذا النوع من السفر من خلال التركيز على الاستدامة. فقد انطلقت سفينة Neoliner Origin الفرنسية في أكتوبر 2025، معتمدة على طاقة الأشرعة الشمسية لتقليل الانبعاثات الكربونية.
وتوضح غابرييلا بوليت، المتحدثة باسم الشركة، أن نقل الركاب كان جزءاً أصيلاً من رؤية المشروع منذ البداية، مشيرة إلى إقبال هائل من المسافرين. وتضم السفينة مقصورات مجهزة، ومكتبة، وقاعة طعام مشتركة، مما يمنح الركاب تجربة تجمع بين الملاحة التجارية الصديقة للبيئة والترفيه الهادئ.
تدرس الشركة حالياً التوسع في أسطولها بإضافة سفن جديدة مماثلة، رهناً بنجاح النموذج تجارياً، مما قد يفتح آفاقاً جديدة لهواة السفر البحري الذين يبحثون عن تجربة مختلفة بعيداً عن مسارات السياحة التقليدية.