
لم يعد التساؤل حول ملكية القمر مجرد فرضية فلسفية أو خيال أدبي، بل تحول إلى معضلة قانونية وجيوسياسية مع تسارع خطط القوى العظمى -وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين وروسيا- لترسيخ وجود دائم على سطحه واستغلال موارده الطبيعية.
تستند معاهدة الفضاء الخارجي، التي أقرتها أكثر من 100 دولة قبل ستة عقود، إلى مبدأ جوهري يمنع الدول من إعلان ملكيتها للقمر أو احتلاله، وتؤكد على أن استكشاف الفضاء يجب أن يصب في مصلحة البشرية جمعاء، مع حظر التسلح النووي في المدارات. ومع ذلك، يرى عمالقة التكنولوجيا والقوى الدولية اليوم في القمر فرصة اقتصادية وإستراتيجية لا يمكن إهدارها.
تتجه الأنظار نحو القطب الجنوبي للقمر، المنطقة الغنية بالمياه المتجمدة والموارد، حيث يبرز تنافس محموم بين واشنطن وتحالف يضم الصين وروسيا. فبينما يطمح رجال أعمال مثل إيلون ماسك وجيف بيزوس إلى تحويل القمر إلى مركز للأنشطة الاقتصادية والصناعات الثقيلة، بدأت الدول في سن تشريعات وطنية تشرعن استخراج الموارد.
فقد سمح قانون أمريكي صدر عام 2015 للشركات بالتنقيب عن الموارد الفضائية، وتأتي اتفاقات أرتميس التي قادتها واشنطن لتؤكد أن استخراج هذه الموارد لا يعد انتهاكاً للمعاهدات الدولية، وهو نهج تتبعه الصين أيضاً عبر خطط لإنشاء محطة أبحاث قمرية دولية.
بينما تترقب الأوساط الدولية مجموعة المبادئ التي تعتزم الأمم المتحدة صياغتها قريبا، يظل الواقع العملي رهناً بالدول الكبرى وحدها، إذ يرى الخبراء أن واشنطن وبكين، بفضل قدراتهما المالية والتقنية الهائلة، هما القادرتان فعليا على صياغة قواعد اللعبة الفضائية القادمة.
تبرز اليوم مقاربات قانونية تحاول استلهام مبادئ قانون البحار لتنظيم النشاط القمري، حيث يرى المؤيدون أن غياب القدرة على امتلاك جرم القمر لا يمنع امتلاك ما يتم استخراجه منه. وفي المقابل، يحذر خبراء القانون الفضائي، مثل الدكتور بليدين بوين، من أن غياب الضوابط الصارمة وسباق إنشاء المناطق المحظورة قد يؤدي إلى احتكار فعلي يفرغ روح المعاهدة الدولية الأصلية من مضمونها، ويجعل من القواعد الفضائية مجرد انعكاس لموازين القوى المالية والتقنية على الأرض.