
أكد محللون سياسيون أن نتائج الانتخابات العامة في البوسنة والهرسك لم تحمل مفاجآت كبرى على مستوى اتجاهات الناخبين، لكنها كشفت عن تحولات عميقة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي في البلاد، مع ترجيح كفة التوجهات القومية على حساب الأطروحات المدنية التي سادت في الدورات الانتخابية السابقة.
أظهرت النتائج تحركاً واضحاً للناخبين نحو الاصطفافات العرقية، حيث تراجعت الأفكار الداعية إلى مجتمع مدني عابر للانقسامات. وفي كيان جمهورية صرب البوسنة، واصل تحالف مستقلون ديمقراطيون بقيادة ميلوراد دوديك هيمنته على المشهد السياسي، مكتسحاً منافسيه في الانتخابات.
أما في اتحاد البوسنة والهرسك، فقد شهد منصب العضو الكرواتي في الرئاسة الثلاثية تغيراً لافتاً، بانتخاب داريانا فيليبوفيتش من الاتحاد الديمقراطي الكرواتي، لتنهي بذلك ثماني سنوات من شغل هذا المقعد من قبل زيليكو كومشيتش، الذي يتبنى خطاباً مدنياً.
يرى ساشير فيلاندرا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سراييفو، أن هذه النتائج تأتي انعكاساً لنمط أوسع يتمثل في تعزيز القوى المحافظة في بيئة أوروبية تتسم بعدم اليقين والخوف من المتغيرات العالمية. ويشير فيلاندرا إلى أن السياسة في البوسنة باتت مختزلة في إعادة توزيع السلطة والحفاظ على الوضع الراهن، معتبراً أن الأحزاب السياسية تعكس الانقسامات التاريخية المتجذرة في المجتمع.
مع وجود فيليبوفيتش (عن الكروات) وزيليكا تسفيانوفيتش (عن الصرب) في الرئاسة، يتوقع مراقبون أن تلعب المصالح الوطنية للمكونات العرقية دوراً أكثر بروزاً في السنوات المقبلة، مقارنة بالفترة السابقة. ورغم فوز دينيس بيسيروفيتش بولاية ثانية كعضو بوسني ذي توجهات متعددة الأعراق، إلا أن التوازن العام يميل نحو القوى القومية التقليدية.
أشار المحلل السياسي دراغان ماركوفينا إلى أن النتائج تشير بوضوح إلى احتمال تشكيل ائتلاف حكومي يجمع بين حزب العمل الديمقراطي (SDA)، وتحالف دوديك (SNSD)، والاتحاد الديمقراطي الكرواتي (HDZ). ويحذر ماركوفينا من أن هذا السيناريو قد يعيد البلاد إلى حالة الانسداد السياسي وعرقلة العمليات الإصلاحية التي شهدتها البلاد في فترات سابقة.
تجدر الإشارة إلى أن الانتخابات سجلت نسبة مشاركة منخفضة بلغت حوالي 40%، وهو ما يعزوه مراقبون إلى حالة من الإحباط الشعبي المتزايد، بينما يرى آخرون أن تحديث الإجراءات الانتخابية التكنولوجية لعب دوراً في تقليص التلاعب بالنتائج.