
بينما تبتعد أرصفة مرفأ صيدا وتتلاشى صخب الشوارع وإشارات المرور، يجد الركاب على متن الباخرة سيدار ويفز (Cedar Waves) أنفسهم أمام مشهد مختلف للبنان؛ مشهد لا يُرى من قمم الجبال، بل من قلب البحر الذي كان يوماً شريان الربط التاريخي بين المدن الساحلية.
تتجاوز الرحلة مفهوم التنقل التقليدي، لتتحول إلى تجربة استكشافية تربط صيدا بـ الزيتونة باي في بيروت، وصولاً إلى البترون وجونية، قبل العودة إلى نقطة الانطلاق مساءً. يصف الركاب هذه التجربة بأنها كسرٌ لنمطية رؤية البحر كخلفية للمدن، ليصبح البحر هو المنصة التي تظهر منها معالم الساحل بزوايا غير مألوفة.
بدأ مشروع سيدار ويفز كخطوة لإعادة تقديم البحر كجزء أساسي من السياحة الداخلية. وتوضح هنا أبو مرعي، إحدى المنظمات، أن التوسع من الرحلات الخارجية نحو مسارات تربط بيروت بالبترون وجونية وصيدا، جاء استجابة لإقبال لافت، حيث شهدت رحلة جونية-صيدا الأخيرة نقل نحو 280 راكباً، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ عقود.
يطرح نجاح هذه الرحلات تساؤلاً جوهرياً حول إمكانية تحويلها إلى شبكة نقل منتظمة تخفف الضغط عن الطرق البرية. ويرى القائمون على المشروع، ومنهم مرعي أبو مرعي، أن الهدف يتجاوز الموسمية؛ إذ يطمح المشروع للوصول إلى طرابلس شمالاً والناقورة جنوباً.
ومع ذلك، يشدد المختصون على أن الانتقال إلى خدمة نقل مستدامة يتطلب منظومة متكاملة تشمل:
بعيداً عن الأرقام وجداول المواعيد، يرى القبطان سعد أيوب أن القيمة المضافة تكمن في قدرة هذه الرحلات على جمع اللبنانيين من مختلف المناطق في مساحة مشتركة، مما يعيد ربط النسيج الاجتماعي عبر طريق ظل مهجوراً لعقود. ومع غروب الشمس، يبقى البحر هو الخيط الذي يربط المدن، محولاً الساحل من مجرد واجهة بصرية إلى شبكة حياة وحركة متصلة.