
أكد وزير الصناعة والتجارة والتموين الأردني، المهندس يعرب القضاة، أن المرحلة الراهنة تتطلب تحولاً جذرياً في فلسفة العمل الصناعي الإقليمي، مشدداً خلال فعاليات منتدى «صنع في الخليج 2026» على أهمية الانتقال من محاولات تحقيق الاكتفاء الذاتي داخل حدود الدولة الواحدة إلى بناء منظومة تكاملية إقليمية.
ويقوم التصور المطروح على استغلال الإمكانات المتبادلة بين دول المنطقة، حيث تُكمل الموارد والقدرات في دولة ما احتياجات أخرى، مما يحول مفهوم الاكتفاء من النطاق الوطني الضيق إلى النطاق الإقليمي الأوسع. ويبرز القطاع الغذائي نموذجاً حيوياً لهذا التكامل، عبر ربط القدرات الزراعية الأردنية بسلاسل تصنيع وتوزيع إقليمية موحدة.
كما أشار القضاة إلى أن اتفاقيات التجارة الحرة التي يرتبط بها الأردن مع قوى اقتصادية كبرى (المملكة المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، وكندا) تمنح المنظومة الخليجية ميزة تنافسية دولية. وفي قطاع الصناعات المتقدمة، اقترح القضاة نموذجاً تكاملياً يبدأ بتنقية السيليكا في الأردن، وصولاً إلى إنتاج أشباه الموصلات في الإمارات والبحرين، والألواح الشمسية في السعودية، والألياف الضوئية في الكويت، مما يضع المنطقة كقوة منافسة في صناعات الحواسيب والبيانات العالمية.
تعد البنية التحتية حلقة الوصل الحاسمة في هذا التكامل. ويُعد ميناء العقبة نموذجاً حياً، حيث يخدم بنسبة 70 بالمئة من نشاطه حركة التجارة الإقليمية، لا السوق المحلية فحسب. ويهدف التصور الحالي إلى ربط شبكة السكك الحديدية الوطنية في الأردن بشبكة السكك الحديدية الخليجية، مما يخلق ممراً لوجستياً يربط دول الخليج والأردن وسوريا ولبنان بمنافذ استراتيجية على البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط، مما يعزز مرونة سلاسل الإمداد بشكل غير مسبوق.
من جانبه، أكد وزير النفط والبيئة البحريني، محمد بن مبارك بن دينة، أن الأزمات العالمية عززت من قدرة دول مجلس التعاون على تأمين احتياجاتها، لا سيما في المنتجات النفطية. وأشار إلى أن التحديات الأمنية دفعت نحو توطين ورش الإصلاح والتصنيع، وتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي.
واستعرض بن دينة أمثلة ناجحة للشراكات البتروكيماوية بين «سابك» السعودية وشركات كويتية وبحرينية، إضافة إلى مشاريع الطاقة الشمسية العملاقة في السعودية التي ستغذي الصناعات البحرينية بالطاقة، مؤكداً أن أمن الطاقة يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من التخطيط الاستراتيجي للمشاريع الصناعية.
وأوضح عبد الله الهاملي، الرئيس التنفيذي لقطاع المدن الاقتصادية والمناطق الحرة في مجموعة موانئ أبوظبي، أن الاستثمارات الناجحة هي التي تتبنى رؤية شمولية. وتعمل مجموعة موانئ أبوظبي على بناء منظومة متكاملة تشمل السفن، الشحن، السكك الحديدية، والمناطق الصناعية مثل كيزاد، مما يسمح للمصانع باختيار مواقع الإنتاج بناءً على الجدوى والكلفة، وهو ما مكن شركات المنطقة من الفوز بعطاءات عالمية أمام منافسين دوليين.
قدم مشاري الجديمي، رئيس مجلس إدارة شركة «فولاذ القابضة»، نموذجاً للتكامل في صناعة الصلب، حيث تسعى الشركة لربط المناجم السعودية بسلاسل التكوير في البحرين. وأشار إلى أن المشاريع البيئية، مثل الهيكل المظلل لحماية المواد الخام ومشروعات الطاقة الشمسية بقدرة 110 ميغاواط، لم تعد خياراً بيئياً فحسب، بل أصبحت عنصراً جوهرياً في تعزيز الجدوى الاقتصادية والقدرة التنافسية للشركة.
تخلص الرؤى المطروحة إلى أن مستقبل الصناعة في المنطقة يكمن في التخلي عن عقلية المشاريع المنفصلة. وتلعب مؤسسات مثل «مؤسسة الخليج للاستثمار» دوراً محورياً في دعم هذا التوجه من خلال الاستثمار المباشر في البنية التحتية والمشروعات الصناعية المشتركة. إن تحويل سلاسل القيمة من نطاقات وطنية إلى شبكة إقليمية مترابطة يمثل السبيل الوحيد لضمان مكانة دول المنطقة في خارطة الصناعة العالمية.