
تُعد الفترة العثمانية في شمال أفريقيا، التي امتدت لأربعة قرون منذ أوائل القرن السادس عشر وحتى مطلع القرن العشرين، واحدة من أكثر المحطات التاريخية إثارة للجدل في الذاكرة التونسية. وتتأرجح القراءات التاريخية لهذه الحقبة بين نظرتين متناقضتين: الأولى رومانسية تحتفي بالفتوحات والتبادل الثقافي، والثانية سياسية تركز على المصالح الاقتصادية والحروب والمذابح.
يوضح الباحث الدكتور مصطفى بن الطاهر ستيتي، استناداً إلى أبحاثه المعمقة في الأرشيفين العثماني والتونسي، أن النظرة الرومانسية لطالما اختزلت الوجود العثماني في إطار التبادل الثقافي، متجاهلة حقيقة كونهم القوة المهيمنة التي سعت لفرض نفوذها السياسي والاقتصادي، وهو ما أدى إلى صراعات دموية رسمت ملامح المنطقة.
وفي هذا السياق، يشير ستيتي إلى حقيقة القوة العسكرية التي قادها خير الدين وعروج بربروس، مؤكداً أن التصور الشائع بقدومهما على رأس جيش جرار يفتقر للدقة التاريخية، إذ كانت المجتمعات المحلية في تونس مستعدة فعلياً لمقاومة هذا التدخل الأجنبي.
يستعرض البحث التاريخي جانباً من المآسي التي عاشتها تونس تحت وطأة الصراعات والاحتلال، ومن أبرزها:
يختتم الدكتور ستيتي تحليله بالإشارة إلى أبعاد استنزاف الموارد، مستشهداً بمقولة الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي: تونس أغنى دولة لأنها منذ فجر تاريخها تُسرق ولم تفلس، وهو تعبير يعكس الإرث الثقيل للتدخلات الخارجية التي تعاقبت على البلاد طوال قرون، وربطت مصير تونس بمصالح القوى الإقليمية والدولية على حساب سيادتها ومواردها.