
أثار القرار الذي اتخذه مؤتمر حزب الخضر في إنجلترا وويلز، بالتصويت لصالح اعتبار الصهيونية حركة عنصرية والدعوة لإقامة دولة ديمقراطية واحدة في كامل فلسطين التاريخية، موجة من الانتقادات الحادة. هذا التوجه لا يمثل فقط تحولاً مفاجئاً في سياسات الحزب، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول فهم المبادئ السياسية والتاريخية التي يقوم عليها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
يتساءل مراقبون عن سبب تركيز حزب الخضر، الذي تأسس ليكون قوة فاعلة في مواجهة التغير المناخي وقضايا البيئة، على صراعات جيوسياسية معقدة بدلاً من تكريس جهوده لمعالجة أزمات الاحتباس الحراري والوصول إلى الحياد الكربوني، وهي القضايا التي كان من المفترض أن توحد صفوف الحزب وتعزز حضوره في البرلمان البريطاني.
نشأت الحركة الصهيونية في أوروبا كرد فعل على معاداة السامية الممنهجة والاضطهاد الذي تعرض له اليهود. وقد سعت الحركة إلى تحويل اليهود من أقلية معزولة في الشتات إلى أمة تتمتع بتقرير المصير. إن الرغبة في تحقيق الدولة القومية لمجموعة تشترك في الهوية والتاريخ واللغة لا تعد، في جوهرها، ممارسة عنصرية، بل هي تطبيق لمفهوم الدول القومية الذي ساد في القرن التاسع عشر.
لا يعني نقد السياسات الإسرائيلية الحالية أو إدانة معاناة الفلسطينيين، بدءاً من النكبة عام 1948 وصولاً إلى الاحتلال وتوسيع المستوطنات، أن الصهيونية بحد ذاتها حركة عنصرية. فالمشروع الصهيوني حمل في وثيقته التأسيسية -إعلان الاستقلال- رؤية لدولة يهودية وديمقراطية، رغم الإخفاقات الكبيرة في تحقيق المساواة الكاملة للمواطنين العرب داخل إسرائيل، وهو ملف يتطلب نقداً سياسياً دقيقاً وليس شعارات إقصائية.
إن دعوة حزب الخضر لاستبدال إسرائيل بدولة واحدة تعد دعوة لإلغاء دولة عضو في الأمم المتحدة، وهو طرح يفتقر إلى الواقعية السياسية ولا يحظى بدعم أغلبية الفلسطينيين أنفسهم. علاوة على ذلك، يرى محللون أن هذا الموقف يخدم التيارات اليمينية المتطرفة في إسرائيل، التي تتغذى على خطاب نحن ضد العالم، مما يضعف فرص السلام ويدفع نحو مزيد من الاستقطاب.
في الختام، يظهر هذا القرار السياسي عدم نضج في التعامل مع تعقيدات الصراع، حيث كان الأجدر بالتركيز على إنهاء الاحتلال ودعم حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم ضمن أطر دولية معترف بها، بدلاً من الانخراط في صراعات أيديولوجية تفتقر إلى العمق التاريخي وتضر بمصداقية الحزب على الساحة السياسية البريطانية.